فلسطين خلال الحرب وبعدها
باسم برهوم

ثمة حقيقة تاريخية تتناقض تماما مع المقولة التي نرددها في المناسبات الدبلوماسية، وهي أن فلسطين الأرض المقدسة، هي أرض رسالة المحبة والسلام، فالتاريخ يقول لنا، إن أرض السلام، ربما لم تتعرض منطقة أخرى في العالم كما تعرضت له فلسطين للغزو والحروب، وفي القرن الأخير وحده لم تنعم فلسطين بالاستقرار والأمن. وهي تخضع للاحتلال وصراع لا يتوقف، وفي القرن ذاته شهدت أكثر من عشرين حربا أو حدثا عنفيا كبيرا، والمقصود ثورات وانتفاضات، وبطش وعقاب جماعي. وخلال أقل من قرن تعرض الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض الأصلاني، لأبشع عملية تطهير عرقي، إلى نكبة، ومؤخرا تعرض إلى حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، وإرهاب دولة في الضفة.
ونتيجة لهذا الواقع كانت فلسطين تتصدر نشرات الأخبار، وتبقى حدثا كبيرا في وسائل الإعلام، إلا أنها في الحرب الأخيرة، غابت تماما، حتى غزة. المنكوبة بحرب إبادة، وسكانها مشردون في خيام بالية، وشكل بشأنها مجلس سلام عالمي لم يعد يلتفت إليها أحد وكأنها لم تعد موجودة على الكرة الأرضية.
بالتأكيد إن ما تشهده المنطقة اكبر بكثير من فلسطين، فالحرب الجارية الآن هي أقرب إلى حرب عالمية مصغرة، لأن نطاقها، والمساحة التي تجري عليها تشمل الشرق الأوسط بأكمله، وبعض المناطق الملاصقة له، فهي تمتد من قبرص غربا إلى أفغانستان شرقا وتركيا وأذربيجان شمالا إلى عمان واليمن جنوبا.
هناك أهمية ان تبقى فلسطين والقضية الفلسطينية حاضرة في الذاكرة العالمية، فالخطير في مشهد الحرب الحالية، أن إسرائيل هي من يصنع الحدث، وهي موجودة في صدارة اخبار العالم، وفلسطين غائبة تماما، فالمشهد المتحكمة به إسرائيل بحدود كبيرة غيب فلسطين، عن وسائل الإعلام، ومن يغيب عن الإعلام لا تلتقطه الذاكرة. في العامين الماضيبن، وبالرغم من أن الوجود الفلسطيني في الإعلام ارتبط بحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وكان ثمنه باهظا جدا من الدم الفلسطيني، إلا أن فلسطين استحوذت على اهتمام واسع وتعمق وجودها في الذاكرة العالمية، وتعاظم التعاطف الدولي معها، غيابها خلال الحرب الحالية قد يضع القضية الفلسطينية وفلسطين مجددا في المقعد الخلفي.
هناك ضرورة، وبعيدا عن الدم والعنف. كيف يمكن أن نبقي فلسطين في الذاكرة العالمية؟
بعد الحرب سيكون أمام الشعب الفلسطيني تحديات وجودية، نتنياهو نفسه قال، إن إسرائيل ذاتها لن تبقى كما هي بعد الحرب كما هي اليوم، وكان يقصد بالتأكيد توسيع حدودها، أن تحصل على ثمن مشاركتها في الحرب، ثمن تغير ميزان القوى في المنطقة، كما أن الرئيس ترامب نفسه، عندما فاز في انتخابات الرئاسة قبل أكثر من عام، قال، إن إسرائيل صغيرة جدا. إن النية بتوسيع حدود إسرائيل، وتغيير خريطة الشرق الأوسط، هو حديث قديم، ولكن هناك فرصة سانحة اليوم، ولا يعتقد أحد أن إسرائيل، ونتنياهو تحديدا سيفوت الفرصة. لا لأن يضع اسمه إلى جانب اسم بن غوريون في تاريخ الدولة العبرية وحسب، وإنما لتكون خشبة خلاصه من ملفات الفساد.
التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني هذه المرة لا يشبهها أي من سابقاتها في تاريخ القضية الفلسطينية، صحيح نكبة العام 1948 دمرت المجتمع الفلسطيني ومزقته، وأزاحت فلسطين عن خريطة الشرق الأوسط، ولكن كانت مناطق شرق فلسطين، والقدس القديمة. وساحل غزة لا تزال بيد العرب. وسكانها الفلسطينيون فيها، ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وانطلاق الثورة الفلسطينية بعدها بأشهر عادت القضية الفلسطينية إلى المشهد، كما استعاد الشعب الفلسطيني هويته الوطنية، واستعاد وحدته. ومثلت حرب حزيران/ يونيو 1967 ضربة قوية، عندما احتلت إسرائيل المناطق المشار إليها، وأصبحت فلسطين كلها تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولكن بالرغم من كل ذلك لم تجرؤ إسرائيل على ضم الأرض الفلسطينية المحتلة، إلى أن جاء الرئيس الأميركي ترامب واعترف بالقدس عاصمة للشعب اليهودي.
الفلسطينيون أمام تحد مصيري، تحد قد يقود إلى تصفية القضية الفلسطينية وضم إسرائيل لكافة الأراضي التي احتلتها في حرب العام 1967. كما أن تهجير قسم كبير من الشعب الفلسطيني لا يزال قائما. التصدي لهذا المخطط لن يكون أمرا سهلا بعد الحرب الحالية، لأن واقع الشرق الأوسط سيكون مختلفا إلى حد كبير، لن يكون سهلا ليس فقط لأن إسرائيل ستصبح قوة طاغية، وإنما لهشاشة الحالة الوطنية ودمار غزة بعد طوفان حماس. وضعف الاقتصاد في الضفة. وغياب الوحدة.
السؤال، هل بالإمكان الصمود والحالة هذه؟ ومهما كان الجواب، فإن المشكلة الأهم هي رهانات حماس وطبيعتها الإخوانية، وهي الطبيعة التي تجعلها لا تدخل بأي شراكة وطنية، هي دائما تقدم نفسها انها البديل للوطنية الفلسطينية، لكونها جزءا من الإسلام السياسي.
وبالرغم من هذه الحقيقة الصعبة، فإن النخب الفلسطينية مطالبة بإيجاد حل لهذا الاستعصاء، لأن البديل الخسارة الكاملة للشعب الفلسطيني. هناك ضرورة أن يقال لحماس إما أن تكوني فلسطينية مع فلسطين، أو أن تخرجي من المشهد الوطني كليا لأن الانخراط بأجندات إخوانية أو إقليمية لم يعد مقبولا بتاتا، والمهم أن تبقى فلسطين والقضية الفلسطينية في المشهد الدولي.