عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 07 آذار 2026

هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"

مهيب البرغوثي

في مجموعتها الجديدة، تبدوهند جودة أكثر انحيازا إلى الكتابة بوصفها شهادة، لا من موقع الشاهد البعيد، بل من قلب التجربة ذاتها. فالنصوص هنا لا تتكئ على البلاغة العالية بقدر ما تعتمد على صفاء العبارة وجرأتها، وعلى قدرتها على تفكيك المشهد اليومي في زمن الحرب، وتحويله إلى مادة شعرية نابضة. كأن الشاعرة تكتب لا لتصف ما جرى، بل لتعيد ترتيب الفوضى داخل اللغة، ولتمنح القارئ فرصة لرؤية ما لا يرى وسط الضجيج.

"سقوط رداء الحرب" ليس عنوانا مجازيا فحسب، بل مفتاح قراءة للمجموعة كلها الحرب في هذه النصوص ليست دبابة ولا بيانا سياسيا، بل حالة نفسية تتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة: إلى نوم الأطفال، إلى ذاكرة الأم، إلى الحقيبة المدرسية التي تنتظر صاحبها. من خلال هذه التفاصيل، تعيد جودة تعريف مفهوم الفقد، فلا تجعله مشهدا دراميا صاخبا، بل إحساسا يوميا مراوغا، يتآكل بصمت داخل الروح.

ما زالت الحرب تفرض شروطها  تقول هند:

لم يعد مسموحا لك أن تأمن

أنت مجرد "حيوان بشري"

هل يشتاق طفلك لحقيبة الظهر والكتب؟

هل يتآكل خوفا؟

هل يبكي حزنا على معلمه المقتول؟

لن تسمعه حرب لا تجد وقتا للأطفال الباكين

 

إنها تقرع طبولها!

كما أن اللافت في هذه المجموعة هو حضور الجسد الأنثوي بوصفه مساحة مقاومة. لا يظهر الجسد هنا كموضوع للرثاء أو الانكسار، بل ككيان واع يرفض أن يختزل في صورة الضحية. إنه جسد يرى، ويحب، ويتذكر، ويقاوم بطريقته الخاصة. ومن خلال هذا الحضور، تفتح الشاعرة بابا لتأمل أوسع حول علاقة المرأة بالحرب: هل تكون شاهدة فقط، أم فاعلة في إعادة تشكيل المعنى؟ جودة تميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني، فتجعل من صوتها امتدادا لصوت جماعي، دون أن تفقد خصوصيتها الفردية.

تتسم النصوص بقصرها وكثافتها، لكنها تحمل في طياتها عالما كاملا من الإيحاءات. الجملة عند هند جودة قصيرة، لكنها مشحونة بإيقاع داخلي يجعلها أقرب إلى نبض متقطع، يعكس توتر اللحظة. تتكرر الأسئلة في أكثر من موضع، وكأن الشاعرة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تفضح هشاشة اليقين. فالطفل الذي يشتاق إلى حقيبته، والمعلم الغائب، والإنسان الذي يختزل إلى "حيوان بشري"، كلها صور تضع القارئ أمام مرآة قاسية للواقع.

كما أن ثيمة الحب تحضر بوصفها الضد الحيوي للحرب. ليس حبا رومانسيا منفصلا عن السياق، بل قوة أخلاقية وروحية تعيد التوازن إلى المعادلة المختلة. حين تكتب الشاعرة عن استبدال "رداء الحرب" بـ "حب امرأة"، فإنها تقترح تحولا عميقا في بنية المعنى: من منطق العنف إلى منطق الرعاية، من ثقافة الإقصاء إلى ثقافة الاحتواء. إنها دعوة ضمنية إلى إعادة تعريف البطولة، بحيث لا تكون في حمل السلاح، بل في القدرة على حماية الحياة.

وتكشف المجموعة أيضا عن وعي جمالي يتقاطع مع تجارب قصيدة النثر العربية الحديثة، من حيث الاعتماد على الصورة المركزة واللغة العارية من الزخرفة. غير أن صوت هند جودة يحتفظ بخصوصيته، المتشكلة من بيئة المخيم وتجربة المنفى الداخلي والخارجي، ومن انتقالها بين غزة والقاهرة، وما يحمله ذلك من تحولات في الرؤية واللغة. هذا الامتداد الجغرافي والوجداني ينعكس في النصوص، فيمنحها أفقا عربيا يتجاوز حدود المكان الأول، دون أن يتخلى عنه.

 

ماذا يعني أن تكون شاعرا في زمن الحرب؟

هذا يعني أن تعتذر،

أن تكثر من الاعتذار،

للأشجار المحترقة،

للعصافير التي بلا أعشاش،

للبيوت المسحوقة،

لشقوق طويلة في خاصرة الشوارع،

للأطفال الشاحبين قبل الموت وبعده،

ولوجه كل أم حزينة،

ضمن سلسلة "براءات" التي تصدرها منشورات المتوسط، يأتي هذا الكتاب ليؤكد انحياز الدار للأصوات الشعرية التي تراهن على التجديد والاختلاف. فالعمل، في 96 صفحة من القطع الوسط، يبدو مكثفا في حجمه، لكنه واسع في دلالاته. إنه كتاب يمكن قراءته على دفعات، كما يمكن التوقف عند كل نص بوصفه عالما مستقلا بذاته.

في المحصلة، يشكل "سقوط رداء الحرب" إضافة نوعية إلى مسار هند جودة الشعري، وإلى المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي عموما.

إنه كتاب يعلن أن الكتابة، حتى في أكثر الأزمنة قسوة، قادرة على أن تكون فعلا للحياة، وأن تحول الألم إلى معنى، والخوف إلى سؤال، والانكسار إلى إمكانية للنهوض من جديد. وفي زمن تتراكم فيه الأخبار العاجلة، يذكرنا هذا العمل بأن الشعر ما يزال مساحة للتأمل العميق، ولإعادة اكتشاف إنسانيتنا وسط الركام.

هند جودة، شاعرة فلسطينية من مواليد مخيم البريج في غزة عام 1983. بدأت الكتابة في سن مبكر، وتنوعت تجربتها بين القصة والشعر والعمل الإذاعي وكتابة السيناريو للأفلام الوثائقية.

شاركت في عدد من الأمسيات الثقافية في غزة، ونشرت نصوصها على مواقع ومنصات مختلفة، كما حصلت على جوائز محلية وعربية في القصة القصيرة خلال سنواتها الأولى.

صدر لها عام 2013 ديوان "دائما يرحل أحد" في عمان، وواصلت بعده حضورها في المشهد الأدبي، إلى جانب عملها كمديرة تحرير لمجلة "28" الأدبية الثقافية. تعيش حاليا في القاهرة، وتواصل الكتابة والعمل الثقافي ضمن فضاء عربي أوسع، محافظـة على صوتها الشخصي الممتد من تجربتها الأولى في غزة.