عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 07 آذار 2026

"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم

فيصل دراج

يقف قارئ الأديب محمد علي طه، الفلسطيني الذي لم يغادر وطنه، أمام أنواع كتابية تتضمن الرواية والمسرحية والقصة القصيرة والمقالة وفسحة مريحة "لأدب الأطفال". يعود هذا التعدد إلى شغف علي طه بوطنه وسعيه إلى معانقة وجوهه جميعا بقدر ما يعود إلى قدرته على تملك الكتابة في أنواعها جميعا. لكأن في وطنه ما يفتنه وفي الكتابة ما يقرر فتنة أخرى، وفي العلاقتين ما يوحد بين حب الوطن ووظيفة الكتابة معا.

تتشارك العلاقتان صفة "الإخلاص"، إذ الكتابة لا تختصر في رنين الحروف أو في "نحو" لا اعوجاج فيه، لكنها فعل له وظيفة تترجم النقد التحريضي والوصف والتعليم. أما الصفة الثانية فتحتضن "الوطن" في مراياه المتعددة التي تعكس: الهوية والأمن والاستقرار، بلغة الراحل الكريم د. إحسان عباس، وذلك الجمال الروحي المشبع بالدفء الذي يقول: "لو جنة الخلد عدن، لا شيء يعدل الوطن".

حاول علي طه في روايته الأخيرة "عين الزيتون" (الدار الأهلية/ الطبعة الأولى، 2025) النفاذ إلى جمال الوطن الآسر، الذي يأخذ أبعادا لا تنتهي في أزمنة التهديد والفقدان، إذ في التهديد ما يقلق الروح وفي الفقدان ما يجهز عليها ـ ولو بقدر. عاش الفلسطينيون في أزمنتهم وأمكنتهم المختلفة أشكال الأسى في مرايا المنافي والأرض المصادرة والمخيمات التي يجتاحها المجهول، وعاشوا ما قوض راحتهم في حنين متوالد، لا ينطفئ ولا يمكن السيطرة عليه.

في روايته هذه، وهي برأيي من أفضل ما كتب فلسطينيا في السنوات الأخيرة، سعى محمد علي طه إلى إنطاق "الوطن المصادر"، وإلى تجسيد الحنين وتوصيف جمال الوطن "السليب"، إلى ترويض ما لا يمكن وصفه إلا صدفة، أو بجهد جهيد. فجمال العزيز يتكشف في لحظة "اختلاسه"، وحين يفتقده الإنسان ويشعر أنه لن يعود. استذكر طه في "عين الزيتون" جماليات وطنه بعيون مختلفة: عينا الصبي الذي يلهو في حقول مزهرة، وعينا الشاب الذي يلاحق مستثارا أجساد الصبايا يملأن جرارهن من ينابيع القرى، وعينا الكهل يستدعي دفء عشقه الأول، وذاكرة الشيخ المشبعة بحنين الحكايات المختلطة، ووعي الفلسطيني الكاره للعنف الصهيوني واغتصاب الأرض، الحالم بيوم تحرر من آثار المعتدي الكريه. سرد  تفاصيل ما نطقت به الأرض وحكاه الفلاحون الملتصقون بتراثهم. لكأن روح طه من روح فلسطين التي رعته في الفصول جميعها ولا تزال تأخذ بيده بكرم كبير. سار مع أطياف وطنه وزامنها إلى حدود العشق. أخلص، في النهاية، لقيم وطنية عميقة وآمن بكرامة وطن جدير بالدفاع عنه. أقام إخلاصه على دلالة فلسطين التي ينعقد فيها جمال قديم وعشق لا ينطفئ. قرأ الأديب وطنه بمجاز الجمال الكريم وتفاؤل الروح الصادقة، واشتق منهما ماضيا كساه الضوء ومستقبلا يصحح خطاه إن أخطأ السير. انتهى إلى ما يمكن أن يدعى: جمالية الكتابة الوطنية، التي تكمل فيها جمالية الكتابة أناشيد الموضوع الذي تصوغه.

صاغ طه روايته من مفارقات متوالدة، احتشد فيها الوطن والمنفى، الحرية والاحتلال، الحب والكراهية والجميل والقبيح، وفلسطين كما كانت، وما أصبحت، وما يجب أن تكون عليه: "بوابة للسماء"، وأرضا مورقة تقاوم الشر الصهيوني وتبقى "أرضا مباركة"، احتفى بها أجداد طيبون ذات مرة، ووقعت عليها مجازر ارتكبها "شعب الله المختار"، الكاره للبراءة والخلق الإلهي وجماليات النقاء.

أقام محمد علي طه روايته الباذخة الجمال على مجازر الحنين المضيء، إذ في أرض فلسطين، كما كانت، ما يوقظ الحنين، وإذ الحنين إلى "أرض أورق فيها الحجر" مكسو بالأسى وشقاء الروح وإذ في لغة طه، كما في أسلوبه، "عتاب على القدر" الذي عبث بما شاء، وعتاب أشد مرارة على أهلها الذين لم يحسنوا الدفاع عنها، كيف استطاع الشر أن يصل إلى أرض خيرة؟ كيف أضاع أهلها ما يجب الحفاظ عليها؟.

أعطى طه وهو يلامس "أطلالا من فلسطين" لغة تقترب من الفرادة وأنتج أسلوبا ينكر التشكي ويستنهض "ما كان جميلا وغفا". ولامس "عينه"، وعين الشيء هي روحه، هي ما يبصر به، والبصيرة عناق المعنى بلا خلل. وما بصيرة محمد علي طه إلا اللغة التي عبرت عن جمال فلسطين، كما وعته الروح الصادقة، بعيدا عن أسلوب يخلط بين الكلمات المتراصفة والنثر الذي يتجاوز الكلمات إلى رحاب الصورة الناطقة والإشارة الفصيحة المتعددة الطبقات، وينشر جمال فلسطين بعفوية عاشها أهلها لا تعترف باللغة المصطنعة الغليظة.

ولعل في عناوين ما كتب طه، أكان رواية أم قصة قصيرة، ما يشير إلى وطن غير جدير بالنسيان، وإلى فلسطيني إن تناسى الوطن، أو نسيه، فقد كيانه، ذلك أن كيان الفلسطيني من استذكاره لوطن يستعصي على النسيان، ولا يليق به نسيان "يهين الفلسطيني" إن وقع عليه. كان الراحل الكريم جبرا إبراهيم جبرا يرد على مستخفين بالفلسطينيين: "فليعلموا أننا كنا أكثر منهم ثقافة وذكاء وكرما وشجاعة...". رفع جبرا راية الذاكرة وأعلن أن من لا ذاكرة له لا كرامة له. نعثر في كتابة طه على جمالية مقاتلة، مجلاها روايته "عين الزيتون"، التي تجمع بين المتخيل الرحيب والقول السياسي المضيء والماضي والحاضر والوجع الإنساني والسخرية السوداء ومنظور بلاغي ينفذ إلى جوهر الوجود، يقرأ جغرافيا فلسطين في مفرداتها كلها: قديتا وبيريا وصفورية وصفد وحيفا وعكا وميرون والسموعي.... .

لكأن فلسطين قائمة بصيغة المفرد والجمع تنتسب إلى ما خلق الله بكرم على مبعدة من غطرسة صهيونية أوجزها بن غوريون في قوله: "نحن خلقنا الله ليخدمنا وليس لنخدمه". غطرسة صهيونية تغتصب الأشياء واللغة و"أرض فلسطين" ومعنى التاريخ، ترفع راية الشر وتدعي احتكار الخير بعد تدمير معناه وتحويله إلى رصاصات تختزل إرادة الكون إلى جرائم "شعب الله المختار".

في لغة محمد علي طه ما يترجم دلالة فلسطين كما شاءها الله وبناها الفلسطينيون. حين وصف قريته البعيدة، أو ما يشبهها، يربطها بالزيتون الذي هو شجرة مقدسة ورد ذكرها في القرآن الكريم، يستذكر جماليات "عين الزيتون"، أي "عين المقدس" الذي يجلو الرؤيا ويسعف الرؤية ويوحد بين الرؤية والرؤيا ويخلق مدنا يحرص عليها أهلها.

يعود طه إلى قرية عين الزيتون فيقول: "كلما شاهدت الماء تذكرت عين الزيتون ذات الماء البارد في أيام الصيف القائظة". وبقدر جمالية عين آيتها الماء الزلال، يتراءى جفاف الروح اليهودية المحملة بما يقبض الروح، كأن نقرأ: "كانت تلك أيام الحاكم العسكري البغيض، الذي كان حاكما مطلقا يفعل ما يشاء مع المواطنين العرب. كان يعتقل من يشاء ويسجن من يشاء ويغرب من يشاء. والتغريب يا محترم هو أن يلقي القبض على كل معارض أو يحتج ويجري إبعاده إلى مكان ناء". لا تخبر هذه الأفعال عن رخاوة الإنسان الفلسطيني وجبنه، بل عن عنف صهيوني مطلق السراح جسده في الرواية "الخواجة مردخاي"، الذي قلب أوضاع الفلسطينيين، بما في ذلك حروف اللغة ولفظ الأسماء، (يلفظ الحاء خاء والراء غينا والعين همزة، ويصير حسن إلى خسن).

ليس قلب الأسماء وتبديل الحروف إلا صورة ساخرة للإرهاب الصهيوني المعمم، الذي اقتلع الفلسطينيين من أرضهم وسطا على مقدساتهم، وأسبغ على "اليهودي" هيبة لم تكن له، وعلى الفلسطيني انكسارا وذلا لم يكونا من صفاته.

جعل محمد علي طه من "عين الزيتون" مرآة للقرى الفلسطينية، وصير "عين الزيتون" مكانا من ألفة تكسوها الظلال والأطيار. فقد كانت وطنا وصورة عن الوطن تتداول الذاكرة وقائعه الكبيرة، فنقرأ: "في الأول من أيار 1948 هاجمت القوات اليهودية قريتي بيريا وعين الزيتون المتجاورتين تمهيدا لاحتلال صفد"، وأحدثت فيهما مجزرة. يقول السارد: "ما تصورت أن يطردونا من عين الزيتون"، معترفا بالهزيمة الذاتية وتفوق الآخر.

شكلان صاغ بهما طه جمال القرية الفلسطينية المندثرة. شكلها كما كانت قبل أن يسطو الصهاينة عليها، نقية بريئة تمتد في الطبيعة الجميلة ويمتد الجمال الطبيعي فيها، وأحوال الفلسطيني بعد أن عاش أسى قريته واستشهد على أسوارها وسقطت معه صورها في الفصول الأربعة: "سقطت بيادر القمح النورسي وسقطت أشجار التين البقراطي والغزالي والموازي... سقطت عرائش الدوالي وسقطت جفنات الكروم وسقط القمر من فوق عين الزيتون وسقط الحب. سقط كل شيء...".

يكمل الكاتب التأسي على الذين أجبروا على الرحيل من وطنهم وفارقوا أحبابهم قائلا: سألت الواقف أمامي هل أنت من سحماتا؟ أجاب: يا خيا ما بقي حدا من سحماتا، ولا من الدير القاسي، ولا من الصفصاف. شملوا جيراننا شملوا، أي ذهبوا شمالا وجنوبا ووزعهم اللجوء على الجهات الأربع واحتفظوا بأرض فلسطين في ذاكرة يعتريها الحزن حتى الآن.

قدم طه صورة عن الوطن والوفاء والتاريخ وحزن المغلوب وشوقا إلى وطن ينتظر عودة أهله إليه.