محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"
جمال أسدي

بعد قصة سونيا سليمان "التنين"، حيث يظهر العنف في صورة مجازية وحشية تهدد باحتلال الخيال الأخلاقي ذاته، تأتي قصة محمود شقير "أمي في زمن التحولات" لتؤدي حركة تهدئة مقصودة على مستوى البناء العام للمجموعة. ويعد هذا الانتقال من أذكى اختيارات المحررة في ترتيب النصوص. فبعد المرور عبر الأسطورة، والخوف، وإغواء القوة، تعود المجموعة إلى نسيج الحياة اليومية العارية من الزخرفة. يتراجع الوحش، وتظهر الأم: لا بوصفها رمزا، بل بوصفها حضورا.
ينتمي سرد شقير إلى واقعية هادئة متعمدة، تتمحور حول شخصية أم تتشكل حياتها من خلال الروتين اليومي، والإيماءات المنزلية، والتكيفات التدريجية مع التحولات السياسية. لا مشهدية هنا، ولا استعراض مباشر للعنف. يظهر التاريخ على نحو غير مباشر، متسللا عبر إيقاع البيت، ومن خلال التعديلات الصغيرة التي يتطلبها الاستمرار. الأم لا تروي التاريخ، بل تعيشه. فالتغير لا يقاس بالتصريحات، بل بتحول العادات، والنبرات، والتوقعات - بما صار ينبغي فعله على نحو مختلف، وبما لم يعد ممكنا افتراضه.
تغدو الأم في هذه القصة مستودعا للاستمرارية التاريخية، حاملة الذاكرة لا في صورة شهادة صريحة، بل في صورة ممارسة جسدية يومية. فهي تعرف أين توضع الأشياء، وكيف تحضر الوجبات، وكيف يحمى الأطفال من معرفة قد تكون أثقل من احتمالهم. وتصر واقعية شقير على أن الكارثة لا تقطع الحياة فقط في لحظات الانفجار، بل تتسرب إلى اليومي، مطالبة بتكيفات دائمة، غالبا ما تكون غير مرئية. وبهذا المعنى، تكمل القصة مساهمات سابقة في المجموعة، عبر إظهار كيف تستمر النكبة لا بوصفها صدمة أو منفى فقط، بل بوصفها إعادة تنظيم مستمرة للحياة المنزلية.
يتقاطع هذا التركيز على اليومي بعمق مع المشروع السردي الأوسع لمحمود شقير، المعروف بعنايته بسكان القدس العاديين وباستراتيجياتهم في الصمود الهادئ. وتستدعي شخصية الأم هنا ما وصفه بيير نورا بــ "بيئات الذاكرة"، أي تلك الفضاءات التي تصان فيها الذاكرة عبر الاستمرارية المعاشة لا عبر النصب التذكارية. فالبيت يصبح مثل هذه البيئة: فضاء تحفظ فيه الذاكرة بالتكرار والرعاية، لا بالأرشفة أو الشعارات.
ضمن منطق المجموعة الداخلي، تؤدي "أمي في زمن التحولات" دور ثقل موازن. فبعد الشتات بلا أرض (ميرواني)، والاستعارة بلا ملاذ (سليمان)، والسهر بلا راحة (جابر)، يقدم شقير استمرارية بلا أوهام. لا تتغلب الأم على التاريخ، ولا تحوله إلى أسطورة. إنها تتكيف معه. ويؤكد هذا الاختيار التحريري أطروحة مركزية في الكتاب كله: أن البقاء ليس دائما بطوليا، وأن المقاومة ليست دائما صاخبة؛ ففي كثير من الأحيان، تتجسد ببساطة في مواصلة الحياة.
على مستوى الأدب العالمي، يجد نهج شقير قرابة واضحة مع كتاب جعلوا الكارثة التاريخية تعاش داخل واقعية منزلية لا ضمن سرديات ملحمية. فرواية ناتاليا غينزبورغ "معجم العائلة" تتعامل مع الاضطراب السياسي بوصفه شيئا يمتص في لغة العائلة وروتينها، لا بوصفه مشهدا دراميا. وبالمثل، تظهر لحظات بريمو ليفي الهادئة- المتعلقة بالعادات والعمل والإيماءات الصغيرة- كيف تصان الكرامة عبر الانتباه إلى العادي. تنتمي أم شقير إلى هذا النسب الأدبي: شخصية تستمد قوتها من الاستمرار لا من المواجهة.
فلسفيا، تتقاطع القصة مع تمييز حنة أرندت بين الفعل السياسي وعمليات الحياة. فحين يتعطل الفعل تحت وطأة العنف، تستمر عمليات الحياة - الرعاية، والتربية، والتغذية - وغالبا ما تتحملها النساء على نحو غير متكافئ. كما تتجاوب القصة مع أخلاقيات المسؤولية عند إيمانويل ليفيناس: فتوجه الأم نحو الآخر، واهتمامها بالأبناء والبيت، يجسدان موقفا أخلاقيا قائما على الرعاية لا على التجريد. وتكمن دلالة هذه الرعاية سياسيا في عنادها على الاستمرار.
ما يمنح "أمي في زمن التحولات" قوتها الخاصة هو رفضها للنوستالجيا والتمجيد العاطفي. فالأم ليست مثالية ولا أسطورية؛ إنها أحيانا متعبة، وأحيانا حازمة، وأحيانا صامتة. ذاكرتها عملية لا حنينية. ومن خلال هذا التقديم، يقاوم شقير إغراء تحويل الشخصية الأمومية إلى رمز قومي، مصرا على خصوصيتها - ومن خلالها، على آلاف النساء المجهولات اللواتي حملن التاريخ إلى الأمام دون اعتراف.
بوضع القصة في هذا الموضع المتأخر من المجموعة، تؤدي وظيفة تركيبية هادئة. فهي تذكر القارئ بأن الحياة تستمر بعد الوحوش، والخرائط، وليالي السهر، والبحار الطافية - تستمر في المطابخ وغرف الجلوس. فالنكبات الكبرى تعاش لا فقط عبر المقاومة والتذكر، بل عبر أفعال يومية صغيرة من التكيف. وبهذا، ترسخ مساهمة شقير كتاب في واقعية حميمة للتجربة المعاشة، مؤكدة أن التاريخ لا يصنع فقط في لحظات الانكسار، بل يصان في العمل الصبور للرعاية.
مواضيع ذات صلة
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"
نحن جيل هزمته الأيديولوجيا
"أصحاب الأرض".. حين تتحول الدراما إلى ذاكرة تقاوم النسيان
"البوكر" الدولية: الإعلان عن القائمة الطويلة للروايات المرشحة للجائزة
غسان زقطان يتحدث عن البلدة التي لم يتحدث عنها