نحن جيل هزمته الأيديولوجيا
سليم النجار*

أصابني الشلل يوم كتابة هذا المقال بالذات ؟ تساؤلات ستبقى معلقة إلى أجل مسمى، وهواجس ستظل تنخر عقلي، ما لم اقرر البوح. ومع برودة الطقس وكثرة الأمطار لم تكن هناك من وسيلة لتنشيف ذكرياتي عن ما فهمته عن. الأيديولوجيا إلا كتابة هذه السطور.
شعرت قلمي منافق! طيلة حياتي، لم أتهم بالكذب. ويوم أحسست أنني قد اضطر لذلك، ادعيت فقدان الذاكرة. أنسيت؟
لم اجب، لأنني خجلت من نفسي. حديثي عن تشكيكي في قصة الأيديولوجيا جعلني أتذكر بعض التفاصيل، فاقتنعت تمام الاقتناع أنني لا اكذب. فإن عدت أيها القارئ، إلى الكلام عن الأيديولوجيا ستجد حديثا عن زمن وهبته لهذه القناعات، والسؤال كيف لي أن أحدث من يقرأ هذه الكلمات عن ميثاق ائتماني ضمتي يربطني بالقارئ، يلزمني بالتأكيد الصدق مع نفسي أولا قبل البدء في كتابة هذا المقال.
انا انسان بسيط ومن عائلة متوسطة الحال، ولدت غريب وسأغادر الدنيا غريب، عرفت نفسي اني فلسطيني من كثرة الشتائم والاوصاف التي تؤكد أننا بعنا ارضنا وأهلي بعد ذلك هربوا إلى بلاد النفط - المال، حتى صرت شخصية من الشخصيات التي تحركت في زمن الأيديولوجيا، وسعدت لهذا الزمان. وبعد وطدت علاقتي بها لجأت للإجابات الجاهزة، بعد أن لعبت الأيديولوجيا البوصلة لأفكاري، استوعبت كل الظروف المناخية القاسية، وعاينت حالة المعيشة المزرية، لمست البؤس إلى حين، والفقر حينا آخر، والأيديولوجيا اسعدتني بالجواب لا بد من أن تعيش هذه الحالات، وفرحت أكثر من رؤيتها الرائعة للكون ونظرتها العميقة للأشياء؟
اذكر جيدا أن الوقت كان ما قبل الغروب بقليل. رامت الشمس نحو المغيب، وكادت أن تغطس غطستها اليومية، وقتها أخبرني والدي رحمه الله كيف ضاعت فلسطين؟ وأضاف أثناء الخروج من قريتنا صبارين لماذا هرب بعض الرجال تاركين زوجاتهم واولادهم من قلة الطعام، فضلوا الهروب، حتى لايروا هذا المشهد من جوع وخوف! لم انبس ببنت شفة، وقتها، كنت مستمع غير جيد. لأن الأيديولوجيا فاجاتني كعادتها بكلماتها الساحرة ورؤيتها الخلابة، فوجدتها ساحرة بتفسير هزيمتنا. وابعدت فرضية الخرف، وصرت مستعدا لقبول اي فرضية تطرحها الأيديولوجيا.
سلكت طريقا مليئا بالكلمات، وقتها كنت في الجهة المعاكسة لمجتمعي، تناسلت الاستعارات التي جعلتني أنني أمام مجتمع جاهل، لا يعرف الوصول للمعاني المختبئة وراء كلمات الأيديولوجيا.
بعد ساعات من الكتابة يئست من إمكانية استخراج أفكار جديدة من قلمي اللعين، جال بخاطري ولم اجرأ طرحه الا الآن : ( ولم علي الآن خلع الأيديولوجيا ؟) رغم أنني كنت سأنهج نهجها، حتى وإن لم تأمرني.
---------
* صحفي وكاتب فلسطيني يعيش في الأردن
مواضيع ذات صلة
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"
نحن جيل هزمته الأيديولوجيا
"أصحاب الأرض".. حين تتحول الدراما إلى ذاكرة تقاوم النسيان
"البوكر" الدولية: الإعلان عن القائمة الطويلة للروايات المرشحة للجائزة
غسان زقطان يتحدث عن البلدة التي لم يتحدث عنها