عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 آذار 2026

حين يحتضن قرد لعبته…

حبر على جمر- لمى عواد

لم يعد الحدث اليوم يقاس بحجمه الإنساني، بل بمدى قابليته للانتشار.قد تجتاح صورة لقرد صغير يحتضن دمية العالم خلال ساعات ملايين المشاهدات، موجة تعاطف، وربما حملات دعم. ليس لأن العالم يفضل الحيوان على الإنسان، بل لأن الصورة سهلة الاستقبال، ألم بلا سياق، براءة بلا تاريخ، لحظة لا تطرح أسئلة.

هي صورة مكتفية بذاتها. لا تحتاج تفسيرا كي تفهم، ولا خلفية كي تستقبل، يصل الإحساس مباشرة، دون أن يعبر بوابة التحليل.

في غزة، لا تغيب المأساة عن الشاشة.الصور حاضرة، والوجوه معروفة، والمشهد يتكرر يوما بعد يوم.

لكنها نادرا ما تستقبل كنداء إنساني خالص. فصورة الطفل هناك لا تصل بوصفها طفولة مهددة فحسب، بل محملة بسياق سياسي يحولها من حالة تستدعي الحماية إلى موضوع للنقاش. تسبقه الأسئلة قبل أن يسبقه التعاطف، من المسؤول؟ ماذا حدث قبل ذلك؟ كيف نفهم المشهد؟ وهنا يتغير موقع الاستجابة.

في الصور البسيطة، أو حين تكون المعاناة فردية وبلا سياق، يأتي التعاطف فورا. وتستقبل الصورة كنداء إنساني مباشر، وتتحرك المشاعر دون تردد والصورة تنتشر. أما تلك التي تستدعي سؤالا سياسيا، أو حين ترتبط المعاناة بصراع، كما في غزة، تدخل تلقائيا منطقة الجدل.حيث يصبح التفاعل مشروطا، ولا ترى فقط بوصفها ألما، بل بوصفها حدثا يحتاج تفسيرا، ومع التكرار، لا تختفي المأساة… لكنها تفقد قدرتها على إحداث الأثر.. لا لأن الناس أقل إنسانية، بل لأن النفس تتعلم دون وعي أن تضع مسافة أمام ما يبدو بلا نهاية. وهكذا، لا يتراجع الشعور بسبب القسوة وحدها، بل بفعل الاعتياد. يتحول الألم من صدمة إلى مشهد دائم. ومن نداء عاجل إلى خلفية مستمرة.وفي عالم الشاشة، لا تكافأ شدة الألم، بل سهولة استهلاكه.

القضية ليست مقارنة بين آلام، ولا مفاضلة بين كائنات.. بل استعادة لمعيار بسيط، أن الطفولة لا ينبغي أن تصبح مشروطة بالفهم قبل الحماية. فإذا كانت صورة قرد صغير يحتضن لعبته تذكرنا بقيمة الحنان، فإن صور أطفال غزة ينبغي ألا تفقد قدرتها على استدعاء الاستجابة.. لمجرد أنها محملة بالسياق.