الفُقدة.. زيارة رمضانية بعمر نابلس

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في مدينة نابلس لا يدخل رمضان من الباب وحده، بل من القلوب، يأتي بخطوات تمشي من بيت إلى بيت، ومحمولا على خطا رجال يحملون ما يشبه الفرح في أيديهم، ويسمونه ببساطة تليق بالمدينة "فقْدة رمضان"!
في الذاكرة النابلسية "الفقدة" هي عناية مقصودة بالأرحام تأخذ شكل زيارة وهدايا، حيث يتفقد الأب والإخوة والأعمام والأخوال، المتزوجات من أقاربهم في رمضان، حاملين ما تيسر من هدايا وربما مبالغ مالية.
بعد الأيام الأولى من الصيام، حين يهدأ اندفاع البداية ويستقر القلب على إيقاع التراويح، تتهيأ المدينة لطقس لا يكتب في كتب الفقه، لكنه محفور في عادات العائلة، بينما في الأزقة القديمة، تتدلى الفوانيس مثل أسرار صغيرة، وتتهيأ الأبواب لطرقات تعرفها منذ الطفولة.
يقول الحاج أبو العبد نصر، وهو يجهز أكياس فقدة ابنتيه بعناية تكاد تكون صلاة: "الفقْدة مش هدية، بل هي طبطبة، لما أزور بنتي، أنا بقولها: أنا معك، حتى لو بينا شوارع وعمر كامل".
عيناه تلمعان وهو يضع الأكياس في صندوق السيارة، كأنه يضع قلبه لا الهدايا.
في السوق، تتبدل لغة البيع، والتخفيضات ليست أرقاما معلقة، بل دعوات خفية للمحبة، يقول محمد أيوب، صاحب محل ملابس في البلدة القديمة: "أعرف الزبون من نظرته، هذا جاي يشتري فقْدة. بيسأل عن القطعة اللي تفرح وليس عن سعرها، الفقْدة إلها حساب مختلف في المراعاة".
أما ليان عرفات، فتصف لحظة وصول الفقْدة كأنها مشهد من فيلم أبيض وأسود قائلة: "لما يدخل أبي ومعه الفقدة أشعر أنني لا زلت بنتا في بيته، وليس زوجة في بيت آخر، الأكياس في يده كانت تلمع لكن ما لمع أكثر هو قلبي".
وفي زاوية هادئة من مسجد النصر يتحدث مجموعة من الرجال عن الفقدة واصفينها بأنها أكثر من عادة".
يقول أحدهم: "هي صلة رحم بلباس الفرح، رمضان يعلمنا أن العبادة ليست فقط بينك وبين الله، بل بينك وبين الناس. الفقدة تذكير أن الأرحام لا تؤجل".
بينما يقول آخر إن الزمن كعادته، غير شكل الأشياء فلم يعد الطرد عامرا بكل ما كان، اليوم قد تكون الفقدة مبلغا صغيرا من المال، أو هدية بسيطة غير أن الجوهر بقي كما هو "يد تمتد لتقول "نحن عائلة".
في نابلس التي يضيق عليها الحصار، وتثقلها الأخبار، تظل الفقدة نافذة مفتوحة على الضوء، وطقسا يعيد ترتيب القلوب كما ترتب موائد الإفطار.
من بعيد، يمكن أن تبدو "الفقدة" مجرد هدية، لكن أهل المدينة يعرفون أنها لغة تقول للمرأة المتزوجة إن جذورها لم تقتلع، وإن بيت أبيها ما زال يتذكر تفاصيلها الصغيرة: ماذا تحب من الكعك، وأي نوع من الملبس يضحك لها في فمها، وكيف يمكن لزيارة واحدة أن ترفع عن يومها تعبا قديما.
مواضيع ذات صلة
الخليل: تشييع شهيدي الظاهرية ودورا وتشديد الإغلاقات على المداخل والحرم الإبراهيمي
جنين.. حصار وشائعات وركود وخلية أزمة
بيت لحم.. عادات رمضانية تحيي ثقافة الـ "نحن" من جديد
الفُقدة.. زيارة رمضانية بعمر نابلس
الرئيس يجري اتصالا هاتفيا مع ملك البحرين
"المعابر": معبر الكرامة يعمل غدا من الثامنة صباحا وحتى الواحدة والنصف ظهرا