عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 28 شباط 2026

"أصحاب الأرض".. حين تتحول الدراما إلى ذاكرة تقاوم النسيان

مهيب البرغوثي

في الأزمنة التي يفيض فيها الدم وتضيق فيها اللغة، تصبح الحكاية فعل نجاة. لا لأن السرد يغير مجرى التاريخ، بل لأنه يمنع التاريخ من أن يتحول إلى صمت. من هنا يمكن قراءة مسلسل «أصحاب الأرض» بوصفه أكثر من عمل درامي؛ بوصفه محاولة لإعادة الإنسان إلى مركز الصورة، بعد أن كادت الأرقام تختزل المأساة وتجردها من ملامحها.

يقف العمل عند سيكولوجية المواطن الفلسطيني، عند ذلك التعلق بالأرض الذي يتجاوز البعد الجغرافي إلى معنى وجودي مركب ،الأرض هنا ليست مساحة ترابية، بل ذاكرة ممتدة، وهوية تتجدد في وجه المحو، وعلاقة يومية مع الألم بوصفه قدرا وموقفا في آن. لذلك لا يبدو الصمود في «أصحاب الأرض» شعارا عاطفيا، بل ممارسة حياتية تتشكل في تفاصيل صغيرة: في أم تخبئ خوفها، في طفل يتعلم معنى الفقد مبكرا، في بيت يتداعى ولا تتداعى معه الرغبة في البقاء.

اللافت أن المسلسل، الذي يقدمه المخرج بيتر ميمي، لا يعرض المأساة كخبر عابر، بل كتجربة شعورية كاملة. المجزرة لا تظهر كعنوان في نشرة، بل كحياة انكسرت فجأة: وجوه، علاقات، أحلام يومية بسيطة. هنا تتقدم الدراما خطوة إلى الأمام؛ فهي لا تكتفي بتسجيل الحدث، بل تعيد ترتيبه في الوعي، وتمنحه بعده الإنساني والأخلاقي.

هذا ما يفسر حالة الجدل التي أثارها العمل في بعض الأوساط الإعلامية الإسرائيلية، بعد تناوله أبعادا إنسانية من معاناة الفلسطينيين خلال حرب الأبادة في غزة عام 2023. فالدراما، حين تقترب من الألم بوصفه ألما بشريا، لا سياسيا فحسب، تخلخل السرديات الجاهزة، وتفتح نافذة على رواية طالما حوصرت بالتأويل أو الإقصاء.

غير أن السؤال الأعمق الذي يطرحه «أصحاب الأرض» يتجاوز راهنيته: هل المجزرة هي التي تخلق الدراما، أم أن الدراما هي التي تعيد خلق المجزرة في الوعي الجمعي؟

تاريخيا، الحدث يسبق الحكاية. الدم يسفك أولا، ثم تأتي اللغة محاولة الفهم والتفسير. المجزرة تصنع المادة الخام: الألم، الفقد، الغضب. لكن الدراما تصنع المعنى: لماذا حدث ما حدث؟ كيف عاش الناس لحظته؟ ماذا تبقى بعده؟ بهذا المعنى، لا تكون الدراما انعكاسا سلبيا للواقع، بل فعلا تأويليا يعيد ترتيب الفوضى في صورة قابلة للإدراك.

وثمة بعد أكثر تعقيدا: أحيانا لا يكون الحدث حاضرا في الوعي العام بالقدر ذاته الذي حضر به في الواقع. قد يقع في هامش التغطية، أو في ظل صمت سياسي، فتأتي الدراما لتكسر هذا الصمت، وتعيد المأساة إلى مركز الانتباه. هنا تتحول من نتيجة إلى مبادرة، ومن صدى إلى صوت.

في سياق الصراع على الأرض، تكتسب الدراما وظيفة إضافية: تصبح وثيقة وجدانية. ليست بديلا عن التاريخ المكتوب، لكنها تمنح التاريخ روحا. ما يدون في الكتب يبقى معرضا للتأويل البارد، أما ما يروى على الشاشة فيتسلل إلى العاطفة، ويقيم في الذاكرة. لذلك تبدو العلاقة بين المجزرة والدراما علاقة جدلية:

المجزرة تخلق الحاجة إلى السرد،

السرد يخلق ذاكرة جماعية،

والذاكرة تعيد تعريف الحدث وتمنحه معناه الإنساني

من هنا، لا يقدم «أصحاب الأرض» إجابة حاسمة بقدر ما يعمق السؤال. إنه يذكرنا بأن الدم حين يسفك يصنع تاريخا، لكن الحكاية حين تروى تصنع وعيا. وبين التاريخ والوعي تتشكل الهوية، لا بوصفها شعارا، بل تجربة معاشة

في النهاية، قد لا تستطيع الدراما أن تمنع المأساة، لكنها تستطيع أن تمنعها من أن تتحول إلى خبر عابر. وهذا، في زمن النسيان السريع، شكل من أشكال المقاومة الثقافية؛ مقاومة تحفظ للإنسان وجهه، وللأرض اسمها، وللذاكرة حقها في البقاء.