إسرائيل في بينالي البندقية.. منصة للثقافة أم واجهة للاستعمار؟
منذر جوابرة*

ينتقل الصراع من القتل والتهجير على أرض غزة، إلى أروقة المحافل الدولية كما يحدث الآن في بينالي البندقية للعمارة المقرر افتتاحه في 9 مايو/ أيار 2026، فبعد أن أغلق الجناح الإسرائيلي مشاركته في عام 2024 بسبب حرب الإبادة على غزة، وموجة الاحتجاجات الشعبية العارمة ضد سياسات الاحتلال، يحاول العودة هذا العام مستخدما كل الأدوات المتاحة لتأكيد روايته الاستعمارية على أنها وجهة نظر إنسانية.
وإذ تمثل المشاركة في البينالي عادة السياسات الثقافية للدول المدعوة، وتعد منبرا مهما لترويج الثقافات عبر الفن، ومشاركة الشعوب حول العالم قضاياها ومعاناتها، تدرك إسرائيل جيدا أهمية هذا الفضاء. لذلك، لم يأت اختيار الفنان وقيمي الفن الإسرائيليين عبثا، إذ يقدمون خطابا مصمما بدقة لمخاطبة الذائقة الأوروبية، عبر الاشتغال على مواضيع تبدو "تقدمية"، بصورة مغايرة للقمع والانتهاكات التي تتواصل يوميا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
احتجاجا على هذه المشاركة، يقود تحالف "الفن لا الإبادة الجماعية" (ANGA) الحملة الدولية لمقاطعة البينالي في دورته المقبلة، مطالبا باستبعاد إسرائيل، إذ هدد بمقاطعة شاملة ما لم تستجب إدارة البينالي في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في بيان نشره التحالف على موقعه الرسمي، وهو ما جددته الحملة في تحذيرات أطلقتها الشهر الماضي أيضا.
ويستند التحالف في حملته إلى عريضة سابقة وقعها أكثر من 24,000 فنان وقيم وعامل ثقافي في دورة 2024، و471 فنانا سبق لهم المشاركة في البينالي، كما انضمت جهات مؤسسية للمقاطعة، أبرزها انسحاب جنوب أفريقيا رسميا بعد رفض الفنانة غابرييل جولياث تعديل عملها الذي تتضامن فيه مع فلسطين. وعلى الصفحة الرسمية لحملة المقاطعة (PACBI) نشر بيان يشيد فيه بدور "الفن لا الإبادة الجماعية" الذي يدعو إلى مقاطعة البينالي، ويذكر أنها من أكثر الحركات اتساعا وتأثيرا في تاريخ التظاهرة.
كيف توظف إسرائيل "النقد الذاتي"؟
ما يبدو للوهلة الأولى تأملا نقديا ذاتيا داخل الجناح الإسرائيلي، هو في الحقيقة أسلوب دبلوماسي ناعم صمم بدقة متناهية، جرى عبر اختيار قيمين متخصصين وهما سورين هيلر وأفيتال بار-شاي، من أجل تغليف مشروع استعماري بلغة تخاطب بها الأوساط الأوروبية بما تريد أن تسمعه، متبنية همها الثقافي ذاته.
لم يأت اختيار الفنان وقيمي الفن الإسرائيليين عبثا
هذا الخطاب الذي يطرح أسئلة كبرى حول "من يملك الحق في رواية القصة؟" يصبح أكثر غرائبية عندما يبدو أنه خطاب نموذجي في قاعات البينالي، تتوارى خلفه سياسات استيطانية وإبادة جماعية تمارس يوميا في فلسطين وعلى مرأى العالم. وهنا، يخدم النقد الذاتي المصنع غرضا مزدوجا، فهو من جهة ينزع فتيل أي نقد أوروبي محتمل، ومن جهة أخرى لا يتطلب أي تغيير ملموس على الأرض، بل يستمر الاحتلال، وتتوسع المستوطنات، وتقصف غزة، في الوقت الذي يسمح فيه لاحتلال استعماري استيطاني أن يؤدي دوره تحت حماية حريات التعبير، واستغلال التأمل والضمير والجمال كتمويه لتحسين صورة المستعمر بثوب الإنسانية، ومشاركته الآخرين لذاكرة المحو والإبادة وكأنه لا يعلم شيئا.
استراتيجية التمويه
طور المؤرخ البريطاني الأسترالي باتريك وولف نظرية الاستعمار الاستيطاني القائمة على منطق الإبادة، الذي لا يهدف لاستغلال السكان الأصليين فحسب، بل يسعى لمحو وجودهم والسيطرة على الأرض؛ فالمستوطن جاء ليبقى، والمشروع الاستعماري الاستيطاني هو بنية وليس حدثا، أي عملية مستمرة من الإلغاء المادي والرمزي للآخر. في هذا الإطار، تتضح استراتيجية التمويه الإسرائيلية بين الممارسة والنظرية، عبر استخدام خطاب يبدو نقديا (نسوية، هوية، ذاكرة) لتغليف المشروع الاستعماري بثوب إنساني.
منصة للثقافة أم خشبة للسياسة؟
يعرض العمل الإسرائيلي في قاعة الأسلحة التاريخية بالأرسنال التي تعود لعام 1460، واستخدمت لتخزين أدوات الحرب ضد العثمانيين آنذاك. اليوم، وبعد أكثر من خمسة قرون على تخزين أسلحة الجمهورية فيها، تتحول القاعة ذاتها إلى منصة لعمل فني إسرائيلي تأملي، في تواطؤ ضمني من المنظمين الذين يتجاهلون الاحتجاجات الشعبية والدولية المتصاعدة، ودعوات "تحالف الفن ليس إبادة جماعية" (ANGA) لاستبعاد إسرائيل. تتمسك الإدارة بموقف الحياد مكررة مقولة "لا صلاحية لديها لاستبعاد دول"، بينما تذهب في الوقت ذاته لأبعد مدى في استضافة الجناح الإسرائيلي، مانحة إياه مساحة في الأرسنال بدل إجباره على استئجار جناح خاص مثل باقي الدول.
وعندما يصف الفنان الإسرائيلي عمله بأنه "رؤية أمل وشعور إنساني، نقيض للإقصاء"، فإنه يمارس بالضبط ما يحذر منه نقاد ما بعد الاستعمار؛ تحويل الإبادة إلى مادة جمالية قابلة للاستهلاك.
---------------
*فنان وكاتب فلسطيني يعيش في بيت لحم
مواضيع ذات صلة
"أصحاب الأرض".. حين تتحول الدراما إلى ذاكرة تقاوم النسيان
"البوكر" الدولية: الإعلان عن القائمة الطويلة للروايات المرشحة للجائزة
غسان زقطان يتحدث عن البلدة التي لم يتحدث عنها
إسرائيل في بينالي البندقية.. منصة للثقافة أم واجهة للاستعمار؟
المقدسية أفنان جولاني تحصد المركز الثالث في مهرجان همسة للآداب والفنون بالقاهرة
العودة إلى إيفتو.. الكتابة بوصفها استعادة لما يتفلت
فتى طولكرم.. إلى الشاعر الفلسطيني الراحل عبد الناصر صالح