يقف الشاعر عادة على الأطلال، ليبكي "ذكرى حبيب ومنزل" هكذا أنشد امرؤ القيس، الذي لقب بالملك الضليل، لشدة التيه والضلال الذي كان فيه. قبل أن يبدأ حربه لأخذ الثأر من قاتلي أبيه. ما يهم في تذكر هذه الواقعة، واللجوء إليها لغرض المجاز والتشبيه، الكشف عن أن سردية الوقوف على الأطلال، إنما هي سردية وفاء، وغفران بالبكاء النبيل.
أطلال قطاع غزة الآن، وبلا أي مبالغة، تحدث عن أحبة رحلوا، وقلوب احترقت، ومنازل تدمرت، غير أن سردية الواقفين اليوم على هذه الأطلال من الذين جعلوها بطوفانهم ممكنة، ما زالت سردية حزبية، وبحت نظرية، سردية لا بكاء فيها، ولا تفجع، ولا وفاء ولا غفران، بل نكران ومكابرة.
هذه هي باختصار شديد، سردية "حماس" الواقفة اليوم على أطلال القطاع، وأطلال سلطتها التي كانت، وواقفة لا كمثل الشاعر، غير أنها تستحق لقبه تماما، لضلالها الشديد، وغيها الذي تأبى التراجع عنه، وإنما هي واقفة بعين ترى الخراب والدمار الذي في ديارها، لا في ديار العدو، تراه فشلا ذريعا للعدو، حتى باتت تتوهم وقفتها، وقفة منتصر فوق ركام عدوه (…!!)، وهناك مثقفون من طلقاء النظرية الماركسية، يروجون لها هذا الوهم، ويتحدثون به، بحرارة التمويل السخي، الذي تدره عليهم فضائيات الخديعة …!!
لا بد من الاعتذار للشاعر، لأن وقوف "حماس" على الأطلال، ليس كوقوفه منشدا تلك القصيدة التي اعتبرها كثير من نقاد الأدب، بمثابة جوهرة ديوان العرب، وقصيدته البهية، وبالتأكيد شتان بين امرؤ القيس، وحركة "حماس" حتى وهي تستحق لقبه "الملك الضليل" وذاك اللقب الآخر، الذي وصف به الشاعر فيما بعد "ذو القروح" كناية عن نهايته المأساوية.
أي ضلال بعد هذا الضلال الذي تتوغل حماس في دروبه، بلا تردد، ولا هوادة، ضلال يواصل ناطقوها الرسميون ترديد خطابه، وعلى نحو انفعالي فج، ومنهم حازم قاسم، وأسامة حمدان، وباسم نعيم، هذا الذي بات غاضبا من "ملادينوف" لأن كلامه عن نزع سلاح "حماس" يؤدي كما قال لاحتلال كامل القطاع…!!، ونعيم يعيد هنا ثانية أسطوانة "حماس" المشروخة، عن سلاحها، بأن نزعه غير قابل للنقاش، أو المساومة (….!!)، ماضيا في هذا السياق خلف الخطاب الإيراني بهذا الصدد، على نحو لا يقبل أي جدل، ولا أي تشكيك…!
ومع أن إيران اليوم في انتظار "غودو" المخلص، هذا الذي لا يأتي أبدا، طبقا لمسرحية "صاموئيل بيكيت" الشهيرة، التي تحدثت عن رجلين بحوارات وأنشطة بليدة، ينتظران مخلصا، لا واقع له إلا في مخيلتيهما، حتى أصبح انتظار الأمل الذي يمثله "غودو" مجرد عبث لا طائل من ورائه، نقول مع أن إيران حقا في هذه الحال اليوم، ومثلها بات مثل الرجل الأول في مسرحية "بيكيت" ومع ذلك رغم حال إيران هذه، تقفز "حماس" إلى خشبة المسرح هذا، لتكون، الرجل الثاني، في هذه المسرحية، وهي تردد "نزع السلاح غير قابل للنقاش أو المساومة" (….!!!) متوهمة هنا بثيمة جديدة أن "الولي الفقيه" هو "غودو" هذا الذي لن يأتي أبدا …!!!
لن تدرك "حماس"هذه التشبيهات، ولن تقبلها طبعا، ولن يرضاها كذلك أولئك المثقفون من طلقاء النظرية الماركسية، الذين باتوا مجرد سماسرة في سوق التجارة السياسية، وثقافته الاستهلاكية …!!!
لا بأس حقا، وعلى رأي المثل الذي يقول: "من يأكل على ضرسه ينفع نفسه" وغير ذلك فإن الشمس في المحصلة لا تغطى بغربال، حتى وعميان البصيرة يتوهمون ذلك ممكنا…!!.
رئيس التحرير