المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف

نابلس- الحياة الجديدة-عزيزة ظاهر- في قطاع غزة المنكوب، لم تكن المنخفضات الجوية هذا الشتاء مجرد حالة طقس عابرة، بل امتحان جديد للقدرة على البقاء، ففي الخيام المهترئة، وبين البيوت المدمرة أو المهددة بالانهيار، تقف النساء في الصف الأول من المواجهة، يحملن على أكتافهن أدوارا مضاعفة، أما، ومعيلة، وحارسة لأمل لا تريد له أن ينطفئ، مهما اشتد البرد وطال المطر.
في ليالي الشتاء القاسية، حين تتسرب مياه الأمطار إلى داخل الخيام، وحين يتحول الوحل إلى عائق أمام الحركة، تصبح المرأة الغزية الدرع الأول لأطفالها، بيديها العاريتين تحاول صد البرد، وبقلبها المثقل بالخوف تطمئن الصغار أن العاصفة ستمر، كما مر غيرها.
تجلس أم محمد مرتجى (38 عاما) إحدى النازحات من مدينة خان يونس قرب موقد بدائي صنعه زوجها من بقايا الحديد، تحاول تجفيف بعض الملابس المبللة، بينما يلتف أطفالها الثلاثة حولها طلبا للدفء.
تقول بصوت خافت لمراسلة "الحياة الجديدة" عبر الهاتف: "الخيمة لا تقي من المطر، كل منخفض يعني ليلة بلا نوم، الماء يدخل من كل الجهات، وأولادي يرتجفون من البرد، لكني أحاول أن أبتسم حتى لا أخيفهم."
وتضيف وهي تعدل غطاء مهترئا فوق طفلها الأصغر: "أنا أمهم وأبوهم في نفس الوقت، زوجي مصاب ولا يستطيع العمل، إذا ضعفت أنا، من سيقوى لهم؟"
المعيلة في زمن الانقطاع
لم يعد دور النساء في غزة مقتصرا على الرعاية داخل الأسرة، فمع تضرر مصادر الدخل وارتفاع نسب البطالة، وجدت كثيرات أنفسهن معيلات لأسر كاملة، الثلاثينية سهاد القاضي، فقدت زوجها خلال العدوان الأخير، وتتحمل اليوم مسؤولية خمسة أبناء، تقول، "الشتاء صعب، والبرد أقسى حين لا تملك ثمن غطاء أو وقود، أخرج أحيانا تحت المطر لأبحث عن مساعدة أو عمل يومي، ليس لدي خيار آخر".
وتتابع القاضي بنبرة تختلط فيها المرارة بالقوة: "أبكي وحدي، لكن أمام أولادي أبدو قوية، هم لا يجب أن يشعروا بأن الدنيا كلها ضدهم".
المنخفضات الجوية المتتالية كشفت هشاشة واقع السكن المؤقت، خصوصا للنازحين، حيث تتحول الخيام إلى مصائد للمياه والبرد، في ظل شح الإمكانيات، تتولى النساء مهام إضافية، ترقيع الأغطية، ورفع الأمتعة عن الأرض، وجمع المياه، وتأمين الطعام في ظروف بالغة القسوة.
سناء سكسك (29 عاما)، أم لطفلين وزوجة جريح حرب، نازحة منذ أشهر، تصف ليلتها في المنخفض الأخير، "المطر لم يتوقف، قضينا الليل نرفع الفراش وننقل الأطفال من زاوية لأخرى، كنت أرتجف، لكني أخاف عليهم أكثر من خوفي على نفسي، نحن نساء غزة لسنا أقوى من البرد، لكن قلوبنا أقوى من اليأس، نعيش لأن علينا أن نعيش."
صمود يومي
ما تعيشه المرأة الغزية ليس بطولة موسمية، بل صمود يومي صامت، هي تعرف أن العاصفة قد تطول، وأن المساعدة قد تتأخر، لكنها تمضي في أداء دورها وكأنها آخر جدار يحمي العائلة من الانهيار.
ففي قطاع غزة المنكوب، لا تقاس قوة العاصفة بكمية المطر، بل بقدرة الناس على الاحتمال، وبين الركام والبرد، تبرز المرأة الغزية كقصة صمود متجددة، تحمي الحياة بما تملك من صبر، وتحول الخيمة إلى بيت، والخوف إلى طمأنينة مؤقتة لأطفالها.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى