عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 آذار 2026

حكاية الدم في مساء قصرة

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في مساء فلسطيني مثقل بلغة البارود، كانت بلدة قصرة جنوب شرق نابلس ترسل رسالة صمود في وجه اعتداءات متكررة للمستوطنين، لا دروع هناك، ولا خوذ، ولا متاريس من حديد.. فقط صدور عارية، وأكف مرفوعة بين السماء والتراب، تحاول أن تقنع الموت أن يتأخر قليلا.

كان مساء السبت يميل إلى زرقة حزينة، حين تناهت إلى أزقة البلدة خطوات الخوف.

مستوطنون مسلحون ملثمون هبطوا من تلال اعتادت أن تنبت الغضب، واتجهوا نحو منطقة الكرك غرب البلدة، كأنهم يحملون ألم الليل في جيوبهم.

لم تكن قصرة قد اعتادت الصمت أمام سلسلة اعتداءات متكررة، فخرج شبانها كما يخرج القلب من صدره دفاعا عن الجسد، لم يملك أهالي البلدة تلك الشجاعة الفطرية التي يولد بها الفلسطيني حين يفتح عينيه على أرض مهددة.

انفلتت الطلقات من أفواه البنادق، كما لو أن الليل قرر أن يكتب اسمه على جسد المساء.

في تلك اللحظة، كان أمير عودة، ابن الثامنة والعشرين عاما، يقف بين أبناء بلدته كغصن زيتون يرفض أن ينكسر.

لم يكن أمير يعرف أن الرصاصة التي خرجت من بندقية المستوطن ستختار صدره تحديدا.

سقط الشاب على الأرض، فجأة، كما يسقط الضوء من نافذة انطفأت.

لم يسقط وحده، سقط معه صراخ البلدة، وارتباك المساء، وانكسار لحظة كانت قبل ثوان فقط تشبه الحياة.

حين رأى والده المشهد لم يفكر كثيرا، هكذا يقول شهود عيان رصدوا المشهد.

الأبوة لا تفكر، إنها تركض، ركض نحو ابنه الممدد على التراب، وكأن قلبه سبق قدميه.

حاول أن يقنع الدم بأن يتراجع إلى العروق. لكن المستوطنين لم يكتفوا بالرصاص وانهالوا على الأب بالضرب، كأنهم يريدون أن يعاقبوا الأبوة نفسها، أب يحاول أن ينقذ ابنه فيعاقب لأنه أحبه أكثر مما ينبغي.

في تلك الفوضى الثقيلة بالدم والذهول، أصيب شابان آخران بالرصاص الحي أحدهما في الركبة، والآخر في الفخذ، وفق ما أفادت به وزارة الصحة والهلال الأحمر.

أربعة أجساد فلسطينية كانت تتوزع بين الألم والصدمة، بينما بقيت البلدة واقفة، مذهولة، كأنها لا تصدق أن المساء قد يتحول بهذه السرعة إلى جنازة.

في ممرات مستشفى رفيديا الجراحي بمدينة نابلس، كانت الدموع اللغة الوحيدة المتاحة.. لا أحد يعرف ماذا يقول حين يقف وجها لوجه أمام الفاجعة.. أم اقتربت من الجثمان المسجى، كانت تمشي ببطء شديد، كأنها تخشى أن توقظ الحقيقة.. جلست قربه، مسحت جبينه، ثم زرعت على وجهه قبلة أخيرة.

الأمهات الفلسطينيات يعرفن كيف يودعن أبناءهن بقبلة جبين تشبه الصبر.

تمد سيدة يدها على جبين الشهد بحنان مفرط، كأنها تخشى ان توقظ الفاجعة جلست قربه ومسحت شعره بيديها، كانت ملامحها هادئة بطريقة مؤلمة كأنها تحاول أن تمنح الشهيد لحظة وداع تليق بقلبه.