نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
باسم برهوم

من الناحية العملية، النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، يتفكك أمام أعيننا، ورمز هذا النظام، والمقصود هيئة الأمم المتحدة، يتم تهميشها والحد من فاعليتها، ولم تعد قادرة على حل النزاعات، ويعتبر مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤشرا واضحا على هذا التفكك. في العادة أي نظام دولي جديد كان يظهر ويتبلور بعد حرب عالمية، ويقوده المنتصرون في تلك الحرب، هكذا تم بعد الحرب العالمية الأولى، عندما صاغت كل من بريطانيا وفرنسا ومعهم إيطاليا مرحلة ما بعد الحرب، الولايات المتحدة الأميركية والرئيس ويلسون هو من صاغ عمليا مبادئ عصبة الأمم، الا ان الولايات المتحدة لم تصبح عضوا في هذه العصبة وآثرت الانكفاء والابتعاد عن السياسة الدولية، وتركت الساحة لكل من بريطانيا وفرنسا تحديدا.
وفي الثلاثينيات من القرن العشرين، مع صعود النازية في ألمانيا، وصعود الفاشية في إيطاليا، وفشل عصبة الأمم في القيام بدورها، بدأ النظام الدولي الذي انتجته الحرب العالمية الأولى يترنح، ومع نهاية ذلك العقد، كان الجميع يشعر ان هذا النظام قد وصل إلى نهايته، واصبحت الحرب العالمية الثانية مسألة وقت فقط بالتحديد منذ العام 1938. وبالفعل اندلعت هذه الحرب في أيلول/ سبتمبر 1939.
عمليا من انتصر في تلك الحرب هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، بريطانيا كانت منهكة ومثقلة بالديون، وامبراطوريتها العظمى بدأت بالتفكك، اما فرنسا فقد الحقت نفسها بالمنتصرين في اللحظة الأخيرة، فقد كان معظمها تحت الاحتلال الألماني وما تبقى تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية لهتلر.
انطلاقا من هذا الواقع نشأ النظام الدولي وتشكلت الأمم المتحدة، بميثاقها والقانون الدولي الداعم لها. ونشأت مؤسساتها وبمجلس أمن يتحكم به المنتصرون عبر الفيتو، ولكن سرعان ما دخل المنتصرون في صراع، وانقسم العالم إلى معسكرين، المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والمعسكر الاشتراكي الذي تزعمه الاتحاد السوفييتي، ودخل المعسكران ومعهم العالم في حرب باردة ونظام دولي ثنائي القطب. وبعد الحرب الباردة، وما تضمنها من سباق التسلح انهك الاتحاد السوفييتي وانهار، وانهار معه المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو.
كل ذلك حدث في مطلع تسعينيات القرن العشرين، واصبح العام يقاد بنظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، مع الحفاظ على هيئة الأمم وتركيبة مجلس الأمن بالخمسة الكبار، ودارت خلال ذلك نقاشات كثيرة لتغير تركيبة مجلس الأمن، ومنح دول أخرى وتجمعات دولية حق الفيتو، إلا ان ذلك لم يحصل، وبقيت المنظمة الدولية كما تأسست عام 1945، ربما رغبة في استقرار العلاقات الدولية.
ومن الجدير ذكره، انه قد تزامن انهيار نظام القطبين مع ثورة الاتصالات والمعلومات، وظهور العولمة، وبدأ الحديث يدور عن ان العالم قد تحول إلى قرية صغيرة، وكانت الولايات المتحدة الأميركية تتصدر هذا التطور، وتسجل تفوقها الملحوظ في مجال تكنولوجيا المعلومات، وهي اليوم تتفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا تزال تتربع على قمة التفوق الاقتصادي.
وبعد ما حدث في فنزويلا مؤخرا، عاد الحديث بخصوص "مبدأ مونرو"، وهو مبدأ الرئيس الأميركي جيمس مونرو في الربع الأول من القرن التاسع عشر، والذي يعتبر المنطقة التي تشمل القارتين اميركا الشمالية واميركا الجنوبية، هي منطقة نفوذ اميركي حصرا.
ومما فاقم الوضع، هو مطالبة الرئيس ترامب بجزيرة غرينلاند، التي تعود إلى مملكة الدنمارك ويتمتع سكانها بالحكم الذاتي، حجة الرئيس الأميركي ان الجزيرة مهمة للأمن القومي الأميركي، وان السيطرة الأميركية عليها تأتي بهدف منع تسلل كل من الصين وروسيا اليها.
مثلت قضية غرينلاند الشعرة التي قصمت ظهر العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة. وبغض النظر إلى أين ستؤول الأمور، فإن النظام الدولي القديم لم يعد قادرا على تنظيم العلاقات بين الدول، وخاصة الكبرى منها التي احتد التنافس بينها على الثروات، والنفوذ.
فالسؤال اليوم: ما إذا كان هذا النظام سيتم تغييره بالوسائل السلمية وبالحوار، أم أننا نتجه إلى حرب عالمية ثالثة؟