عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 كانون الثاني 2026

الهند والجنوب العالمي

بقلم: أشوك ساجانهار*

مقدمة:

إن علاقات الهند مع دول الجنوب العالمي ضاربة بجذورها في أعماق تاريخ مشترك، ونضالات متبادلة، وتطلعات مشتركة نحو التنمية والاعتماد على الذات. وعلى مر السنين، تطور دور الهند من قيادة حركة عدم الانحياز إلى كونها لاعباً محورياً في التعاون المعاصر بين دول الجنوب.

وقد دفع رئيس الوزراء ناريندرا مودي بشراكة الهند مع الجنوب العالمي إلى مستوى جديد عندما نظم القمة الأولى لـ "صوت الجنوب العالمي" في 12-13 يناير من العام 2023، وذلك بعد أسابيع قليلة من تولي الهند رئاسة مجموعة العشرين. وأعقبت هذه القمة قمة ثانية في وقت لاحق من العام نفسه، وثالثة في عام 2024.

وبالإضافة إلى صياغة مصالح وأولويات وتطلعات الجنوب العالمي من خلال هذه القمم وطرح هذه القضايا في كافة المحافل ذات الصلة، فإن الهند "تتبع القول بالفعل" وتقدم كل مساعدة ممكنة لدول الجنوب العالمي.

 

الخلفية التاريخية:

يعد دور الهند داخل الجنوب العالمي دوراً محورياً، حيث تستفيد من قوتها الاقتصادية المتنامية، وإطارها الديمقراطي، وموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي للدعوة إلى حوكمة عالمية عادلة.

إن برامج المساعدة الإنمائية الهندية لأعضاء الجنوب العالمي ترسخ دورها كشريك في التقدم. فمن خلال برنامج التعاون التقني والاقتصادي الهندي (ITEC)، قدمت الهند التدريب وبناء القدرات والمساعدة الفنية لأكثر من 160 دولة. ويغطي هذا البرنامج مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك الرعاية الصحية، والتعليم، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، مما يساهم في تنمية الموارد البشرية.

 

سياسة "فاسودايفا كوتومباكام" (العالم عائلة واحدة):

إن روح فلسفة "فاسودايفا كوتومباكام" جسدت الدليل الاسترشادي للسياسة الخارجية الهندية لأكثر من عقد من الزمن. وقد شهدت هذه السياسة أقصى درجات تعبيرها خلال رئاسة الهند لمجموعة العشرين في عام 2023، عندما اعتمدت شعار "أرض واحدة، عائلة واحدة، مستقبل واحد"، وحرصت على أن تعكس جميع القرارات المنبثقة عن المداولات هذا الالتزام بشكل كامل.

 

الوضع الراهن:

في السنوات الأخيرة، نضجت شراكة الهند مع "الجنوب العالمي" لتصبح ركيزة أساسية في سياستها الخارجية. وكان من أهم الإنجازات التي حققتها الهند خلال رئاستها لمجموعة العشرين هو إدراج الاتحاد الأفريقي (الذي يضم 54 دولة أفريقية) كعضو كامل العضوية في المجموعة. كانت هذه القضية عالقة لسنوات عديدة، ووقع العبء على الهند، لالتزامها بمصالح الجنوب العالمي، لإنجازها عبر صياغة التوافق اللازم.

وقد تمكنت الهند من تعزيز انخراطها مع الجنوب العالمي بفضل نمو اقتصادها بشكل ملحوظ. فعندما تولى رئيس الوزراء مودي السلطة في عام 2014، كان الاقتصاد الهندي في المرتبة العاشرة عالمياً، أما اليوم فهو الرابع عالمياً مع توقعات بأن يصبح الثالث بحلول عام 2027. واليوم تعد الهند الاقتصاد الكبير الأسرع نمواً، ومن المتوقع أن ينمو اقتصادها من 4 تريليونات دولار حالياً إلى أكثر من 10 تريليونات دولار بحلول عام 2035.

إن هذه القوة الاقتصادية عززت قدرة الهند على لعب دور أكثر نشاطاً في الشؤون العالمية ومد يد العون وقت الحاجة. فخلال جائحة كوفيد-19، قدمت الهند الأدوية واللقاحات (معظمها مجاناً) لأكثر من 150 دولة، وقدمت أكثر من 300 مليون جرعة لقاح ضمن مبادرة "فاكسين ميتري" (صداقة اللقاح). وبفضل ثقلها الاقتصادي، دعمت الهند سريلانكا بمبلغ 4.5 مليار دولار في أزمتها المالية عام 2022، وقدمت الدعم المالي والغذائي والطبي لأفغانستان وجزر المالديف، مما جعلها تبرز كـ "مستجيب أول" في أوقات الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات.

 

الركائز الأساسية للتعاون:

تتحدد شراكة الهند مع الجنوب العالمي اليوم من خلال أربعة مجالات تعاون متميزة:

أ‌- البنية التحتية الرقمية العامة (DPI)::

لقد تقدمت الهند من مستوى الانجازات الداخلية إلى الامتداد االعالمي.

• دبلوماسية التكنولوجيا المالية: إن نظام (UPI) للمدفوعات الرقمية يعمل الآن في عدة دول بالجنوب العالمي،  ودول ناميبيا، سريلانكا، شىي بهض مناطق جنوب شرق آسيا.

• صندوق الأثر المجتمعي: إن التزام الهند بـ 25 مليون دولار لصندوق التأثير الاجتماعي يساعد الدول الصغيرة على بناء هويتها الرقمية مثل نظام ((Aadhaar

 

ب‌- القيادة في قطاع الصحة والأدوية:

تأكيداً على لقبها "صيدلية العالم"، نجحت الهند في تطوير دورها من مجرد توفير الأدوية واللقاحات في أعقاب جائحة كوفيد-19 إلى بناء "المرونة الصحية" الشاملة.

• الأدوية الجنيسة (المثيلة): توفير أدوية جنيسة عالية الجودة وبأسعار ميسورة لدول أفريقيا ومنطقة الكاريبي.

• القدرة التنظيمية: تعمل الهند حالياً بنشاط على تدريب مراقبي الأدوية في دول "الجنوب العالمي" لمساعدتهم على وضع معاييرهم الخاصة لسلامة الأدوية.

 

ج‌- الميثاق الإنمائي العالمي

اقترحه رئيس الوزراء مودي في أواخر عام 2024، ويركز هذا الميثاق على:

• التجارة من أجل التنمية: تقليل الحواجز التجارية أمام الدول الأقل نموا.

• التمويل الميسّر: تقديم منح مخصصة لمشاريع محددة، بدلاً من قروض "فخ الديون" التي ترتبط غالباً ببعض القوى العظمى الأخرى.

 

د‌- العدالة المناخية وانتقال الطاقة

تتبنى الهند مبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة" (CBDR).

• التحالف الدولي للطاقة الشمسية (ISA): بوجود 121 دولة عضو، الكثير منها من "الجنوب العالمي"، يؤكد هذا التحالف التزام الهند بمعالجة تغير المناخ وتعزيز الطاقة المتجددة.

• مبادرة "أسلوب حياة من أجل البيئة" (Mission LiFE): تشجع الهند التحول نحو الاستهلاك المستدام، وهو خطاب يلقى صدى لدى الدول النامية التي لم تكن المسبب الرئيسي لتغير المناخ ولكنها تضطر لتحمل أسوأ آثاره.

 

الخاتمة:

لقد شهدت الديناميكيات الجيوسياسية للهند مع "الجنوب العالمي" تطوراً ملحوظاً على مر السنين، مما يعكس قوتها الاقتصادية المتنامية، ومصالحها الاستراتيجية، وتطلعاتها لتكون لاعباً رئيسياً على الساحة الدولية. إن انخراط الهند النشط مع دول الجنوب العالمي يؤكد التزامها بعالم متعدد الأقطاب، حيث تمتلك الدول النامية صوتاً مؤثراً في الشؤون العالمية. ومن خلال الجهود المستمرة في الدبلوماسية، والتعاون الاقتصادي، والشراكات الاستراتيجية، تتهيأ الهند للقيام بدور محوري في تشكيل الديناميكيات المتطورة للجنوب العالمي.

فبصفتها قائدة وشريكة في آن واحد، تواصل الهند لعب دور حاسم في صياغة مستقبل الجنوب العالمي. ومن خلال التعاون المستدام، والاحترام المتبادل، والتطلعات المشتركة، يمكن للهند ودول الجنوب العالمي معاً تجاوز التحديات واستثمار الفرص التي يفرضها القرن الحادي والعشرون.

-----------------------

*سفير الهند السابق لدس كازخستان والسويد ولاتفيا