نوافذ الضوء..!
تغريدة الصباح- حسن حميد

ما أعمَّ الفقد، لولا هذه الكوى الضوئية التي توارثناها، وكتبناها، ونقشناها، وحفظناها؛ لولاها لاندثرت حضارات، وبلاد، وكتابات، ولوحات، وموسيقى، وأسماء، وأفعال تامات.
لولا نوافذ الضوء، لما عرفنا أن أهل اليونان، ولكي يكتبوا أساطيرهم، والميثولوجيا التي خلّدت جوانب كثيرة من حياتهم، وتقاليدهم، ومعارفهم، وأحزانهم، وندمهم، وأحلامهم، كانوا يسهرون فوق عتبات البيوت ومصاطبها، وأدراجها، ويروون الأقوال، والقصص، والأخبار، والسير، والأشعار، والأغنيات المدهشة، كيما تصير الحكايات شعرا ونثراً، وكيما يصيرا بلاغة الحياة، لولا ذلك السهر اليقظ، لما عرفنا العالم العلوي وما فيه من مضمرات وجمال آسر، وعلوات لا يقف عندها إلا الخيال اليقظ، ولما عرفنا العالم السفلي، وما فيه من غرابة، ومخاوف، وطرقات، وطواف دائري في مساحات الماء كي يصل الموتى بسلام إلى بيوتهم الأبدية، ولما عرفنا أيضاً الواقع، وما فيه من أسئلة حائرة، وأحلام مستحيلة، ولما اكتشفنا أمرين اثنين مهمين، هما في اجتماعهما، كل الحياة، ضعف الإنسان وقوته في آن واحد؛ ولما عرفنا أنّ الخير، والحق، والجمال، هي ثلاثية النبل، تجاه العماء مثلث الرؤوس، السطوة، والقبح، والخراب، وما فيها من كواره ثقال.
نوافذ الضوء، هي التي حفظت لنا مدونات البلاد التي تعبت كثيراً حتى بنت مداميك الحضارة التي لا تعني سوى السعادة، لأن العطاء والمحبة والبناء والخوف، والأحلام هي السعادة، ومن أجل السعادة كانت التنافسية ما بين دار الحرب، ودار السلام، وانفراد كل دار بزمن له مؤيدوه، وبذلك تجلت ثنائيات الحياة التي كانت، وما زالت، وستظل قائمة على التناقض الذي لا صفوة له سوى التعب، التعب من الحرب، والتعب من السلم، ولولا هذا التناقض لما وجدت الكتب، والآداب، والفنون، والأفكار، والمدارس، والحقول، والمناداة الجهيرة، بعلو الصوت، كي يوظف الإنسان ما يمتلكه من عقلانية، وسمو فطرة للبناء، كدت أقول: للجمال، وأن لا يشوّه ما يفعله بالأحقاد الضريرة.
قلت هذا، وأنا أقرأ في كتب القدماء ما سطروه عن كفاح الإنسان الذي كد من أجل طرد بقايا التوحش من أعماقه، كيما تليق الحياة به، كما يليق هو بصفة الحياة. قرأت سيرة جلجامش، فعرفت الأفعال الناقصة لعماء القوة، وضرباتها الموجعة لكل ما هو طيب ونبيل، وحقدها على كل ما هو جميل، وسعيها إلى أن تكون مرايا الحياة بطشاً، ودماءً، وخراباً، وأنانية عالية الحيطان والسقوف؛ فالخوف من غضب جلجامش جعل العماء سلوكاً، وحياة تعاش، وما ترك ذلك الخوف الكتيم مجالاً للضوء، كي يمر، ليفكر رعاياه، ومن يحيطون به، كيف له أن يذهب إلى معبدهم المقدس جهاراً نهاراً، كي يلتقي جميلات البلاد، العاريات الكاسيات، بذريعة واهية، فحواها أن يوقف شغب النزوات ، ومتطلبات الجسد، والشهوانية، في مكان أقيم أصلاً للتأمل كيما يدنو كل بعيد، وكيما تتبدد المخاوف التي لفت كل ما نأى عن الأيدي والحواس، وقد مرت بهم أزمنة طويلة، ولم يعد جلجامش إلى عالم الضوء إلا عندما واجه معادلة الموضوعي (انكيدو)، عندئذ انبثقت الأسئلة الكونية، وأضاءت، فكان( انكيدو) مرآة لسلوكه، فدار الحديث حول الثنائيات التي رتبتها الحياة في ضفتين: الخير والشر، والعدل والظلم، والخوف والطمأنينة، والحب والكراهية، ولولا تلك الأسئلة وأجوبتها، لما ذهب الاثنان( جلجامش وأنكيدو) البحث عن نبتة الخلود، وقد كان الطريق اجمل من الوصول، لأنهما أزالا الشرور التي واجهتهما، وهما يبحثان عن نبتة الخلود التي قيل إنها موجودة في أعماق نهر يفيض في السنة الواحدة مرتين، مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، فيصير غضبه، في المرتين، حدثاً كونياً، ولم يكن ذلك النهر سوى نهر الأردن، الذي وصفوه بأنه نهر جريء، أبوه جبل أشيب، وأمه دارة ماء من زرقة السماء، لذلك كان طريقهما، (جلجامش وأنكيدو)، طويلاً، من أور إلى الأغوار الفلسطينية.
ولولا، نوافذ الضوء، لما عرفنا أن درب آلام سيدنا في القدس، هو حقل للمحبة، ودنيا للتأمل، ومشهدية لاختبار النفوس، وكتاب لأسئلة لن نعرف إجابات عنها في القريب العاجل إلا إذا قالت معادلة التضاد ما بين الظلم والعدالة قولتها المنتظرة، ولولا نوافذ الضوء، لما عرفنا لماذا ما زال قصب بحيرة طبريا يرتجف، حتى الساعة، خوفاً لأن سيدنا الذي لجأ إلى أجماته كان مطارداً ومحاطاً بالشرور، وحين لاحقه أعداؤه، وأدركوه، مشى على الماء، كما لو أنه النسيم المبارك بالعافية.
ولولا نوافذ الضوء، لما عرفنا أنّ الخوف هو من جعل أهل الغابات يعبدون الحيتان الوحشية، والأفاعي المخيفة في صولاتها وحجومها، والأشجار الخرافية في تعريشاتها، وأن أهل الغابات عاشوا حياتهم في عراك طويل مر مع الخوف كي يؤنسنوا الحياة، ويكسوها بالطمأنينة.
ولولا نوافذ الضوء، لما عرفنا حقا، كيف استطاعت الحياة أن تجد لها مطرحاً في ممالك الثلج، وكيف اشتقت الدفء واستحلبته من معطيات البرد المخيف المميت، فصارت تلك الممالك الباردة، دنيا للكتب التي تتحدث عن الخير، والحق، والجمال، بعد أن كانت مهاجر، ومقابر أو تكاد.
بلى، نوافذ الضوء اليوم، وقد تجلت هي الأجراس المعلقة في الرقاب، القارعة إن مشينا أو وقفنا، والقارعة في يقظتنا ومنامنا، لتقول لنا قولة العارف: لا حياة مع الخوف، لأن الخوف أبو الظلم، وعضة الخائف قاطعة، وأن لا حياة مع العماء، لأن العماء يجهل المجاز، ولأن العماء يبني بيوتاً لا أبواب لها ولا نوافذ، ولا طرقا، والمجاز وحده هو من يجعل للبيوت أبواباً ونوافذ وطرقاً.
ومن يبنون القرى، ويعمرون الحقول، ويكتبون، ويقرؤون، ويعرفون أسرار الرسم والموسيقى والنقش، هم أهل المجاز القادرون على مؤاخاة التراب، والطيور، والغابات، والجبال، والاصطبار، والأسرار، وهم العارفون بأنهم القادرون على فتح نوافذ الضوء.. في جدر العتمة الغامقة الزائلة لا ريب!