عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 كانون الثاني 2026

الضفة خارج الترند.. لماذا لم تعد فلسطين مادة لصناعة التأثير الرقمي؟

منذ أن خَفَت صوت الانفجارات في قطاع غزة، وتراجعت الصور الدامية عن شاشات الهواتف، عاد المشهد الفلسطيني إلى الظل الرقمي، كأن شيئًا لم يكن، هدنة إعلامية غير معلنة، فرضها "الترند"، لا الوقائع.

في وقت لم يتوقف فيه إطلاق النار فعليا على غزة، وزادت فيه وتيرة الانتهاكات في الضفة الفلسطينية المحتلة بشكل جنوني، وجد الفلسطيني نفسه في مواجهة نظام احتلال لا يرحم ولا يهتم كثيرا إن كانت الكاميرا تصوّر أم لا، الأسوأ؛ أنّ الكاميرا لم تعد تصوّر أصلا.

تبدو الضفة الفلسطينية - خصوصا القرى الواقعة إلى شمال شرق رام الله – اليوم، وكأنها فقدت مقومات التحول إلى "محتوى"، وكأنّ مآسيها لا تملك ما يكفي من الإثارة لتجذب جمهورًا متعطشًا لمادة سريعة، درامية ومجتزأة في ثوانٍ.

 لكن المشكلة لا تكمن في الجمهور وحده، بل في صنّاع المحتوى أنفسهم، وتحديدا الفلسطينيين منهم، هؤلاء الذين عاشوا لحظات المجد الرقمي خلال العدوان على غزة، وصعدت أسماؤهم على منصات التواصل كما لم يحدث من قبل، انسحبوا تدريجيا من واجهة التغطية وتركوا فراغًا لا يسدّه سوى النسيان.

اللافت أن كثيرا من النشطاء والمؤثرين الفلسطينيين ممن اكتسبوا جمهورهم تحت لهيب القصف ووهج المعاناة، أصبحوا أكثر ميلًا إلى المحتوى الشخصي، الحيادي، أو الموجّه نحو التحفيز وتطوير الذات بينما تحترق بلداتهم وقراهم في الضفة الفلسطينية يوميا بنيران الاحتلال.

لا يتعلق الأمر بالخوف، أو الرقابة، أو الرقابة الذاية فحسب، بل بانزياح تدريجي في فهم الدور، وفي العلاقة بين الوجود الرقمي والانتماء الوطني.

لقد أصبحت صناعة التأثير عند البعض مرهونة بمكان الحدث لا بحجم الجرح، ومع تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي بملفات أخرى  - مثل الجبهة الإيرانية أو التحولات في المنطقة – خرجت الضفة الفلسطينية من التغطية العالمية، ولم يجد أهلها من يعيدهم إلى الواجهة، هنا، لا يكفي أن نلوم الإعلام العربي أو الغربي، ولا حتى الخوارزميات، فالقضية أولا وأخيرا مسؤولية فلسطينية.

ليس المطلوب من المؤثر الفلسطيني أن يكون مراسل حرب دائما، لكن أن يبقى وفيًا للواقع الذي أنجبه، وأمينًا للقضية التي منحته الصوت والجمهور، أن يعيد الاعتبار للضفة الفلسطينية بوصفها مساحة نضال، لا "لايكات"، أن يربط بين عيشه الرقمي والواقع الميداني لا العكس، لأن تحويل المعاناة إلى مادة مؤثرة لم يكن يومًا تسويقًا لمنتج، بل فعلًا وطنيًا وأخلاقيًا.

الضفة الفلسطينية يجب أن تُعاد إلى واجهة المشهد الرقمي، والقرى الواقعة إلى شمال شرق رام الله يجب أن تكون محور نقاش جدي، ليس فقط بين الإعلاميين، بل في الأوساط الحقوقية والبحثية أيضًا عبر استراتيجية مستمرة لصناعة المحتوى، توثيق الانتهاكات، سرد القصص الإنسانية، وتسليط الضوء على المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني.

لا أعذار في زمن الكاميرا المحمولة والتطبيقات المفتوحة والفضاء الرقمي الواسع، إنها دعوة لتحمّل المسؤولية وللعودة إلى الميدان الرقمي كأداة نضال لا كوسيلة استعراض.

إن الكتابة عما يجري في قرى رام الله الشرقية وغيرها من البلدات والقرى والمخيمات في أنحاء الضفة الفلسطينية لا تندرج ضمن العاطفة الفردية فقط، بل هي جزء من مسؤولية مهنية ومجتمعية في تسليط الضوء على الواقع الميداني بعيدا عن التهويل أو التحريض، فالتوثيق المتوازن والدقيق للحدث هو خطوة أساسية نحو تعزيز وعي الجمهور بما يدور في محيطه.

فالضفة الفلسطينية لم تخرج من "الترند" لأن مأساتها انتهت، بل لأن من كانوا يحملون صوتها أسقطوها من أولوياتهم، والعودة إليها – ولو رقميًا- ليست خيارا تكتيكيا، بل واجب وطني لا يسقط بالتقادم.