عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 كانون الثاني 2026

الكونغو الديمقراطية والفرنكوفونية.. حين يمتد النزاع الإقليمي إلى مجال اللغة

بقلم: حسان البلعاوي

تدرس جمهورية الكونغو الديمقراطية تقديم مرشح لمنصب الأمين العام لـ المنظمة الدولية للفرنكوفونية، في مواجهة المرشحة الرواندية الحالية، في خطوة تحمل أبعادا سياسية ولغوية تتجاوز الإطار الانتخابي داخل المنظمة. وتهدف كينشاسا من هذا التوجه إلى الحيلولة دون إعادة انتخاب لويز موشيكيوابو لولاية ثالثة، معتبرة أن ذلك لا ينسجم مع التوازنات المفترضة داخل فضاء فرنكوفوني بات أفريقيا بامتياز.

ويأتي هذا التوجه في سياق توتر متصاعد بين رواندا والكونغو الديمقراطية، وهو توتر لم يعد محصورا في الجوانب الأمنية والسياسية، بل امتد بشكل واضح إلى المجال اللغوي والثقافي. ففي حين تخلت رواندا تدريجيا عن اللغة الفرنسية لصالح الإنجليزية كلغة إدارة وتعليم وعلاقات خارجية، ما زالت الكونغو الديمقراطية ترى في الفرنسية لغة جامعة للدولة، وركيزة للتواصل الوطني، وأداة تماسك مؤسساتي في بلد متعدد اللغات واللهجات.

ومن هذا المنطلق، تعتبر كينشاسا أن استمرار قيادة المنظمة من طرف دولة لم تعد تعتمد الفرنسية فعليا يطرح إشكالية رمزية وسياسية حول مصداقية الفرنكوفونية نفسها، ودورها، وهوية من يقودها في مرحلة يشهد فيها العالم منافسة حادة بين الفضاءات اللغوية الدولية.

تأسست المنظمة الدولية للفرنكوفونية رسميا سنة 1970 بموجب اتفاقية نيامي التي وقعت في عاصمة النيجر، بمبادرة من عدد من القادة الأفارقة الذين رأوا في اللغة الفرنسية أداة تعاون وتواصل بين دول الجنوب، وليس مجرد امتداد للنفوذ الاستعماري. وكان من أبرز هؤلاء القادة الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سنغور، الذي يعد المؤسس الفكري لمفهوم الفرنكوفونية، دون أن يتولى منصب الأمين العام.

حيث هذا المنصب تم استحداثه لاحقا. وقد كان أول أمين عام فعلي للمنظمة هو الدبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي، الذي تولى المنصب خلال الفترة 1997–2002، بعد انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتحدة. وشكل عهده نقطة تحول أساسية، حيث انتقلت الفرنكوفونية من إطار ثقافي–تقني محدود إلى منظمة ذات حضور سياسي دولي، معززة أدوارها في مجالات السلم، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، ومكانة الدول الأفريقية داخل هياكلها.

ويقع المقر الرئيسي للمنظمة اليوم في باريس، وهو أمر لا يزال محل نقاش داخل عدد من العواصم الأفريقية، التي ترى أن مركز الثقل الديموغرافي واللغوي للفرنكوفونية أصبح أفريقيا بوضوح.

وتعد جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم أكبر دولة ناطقة بالفرنسية في العالم من حيث عدد السكان، إذ يفوق عدد المتحدثين بالفرنسية فيها عددهم في فرنسا نفسها. ويقدر عدد سكانها بنحو 114 مليون نسمة، ما يجعلها القلب الديموغرافي للفضاء الفرنكوفوني العالمي، ويمنحها، من وجهة نظرها، شرعية قوية للمطالبة بدور قيادي داخل المنظمة الدولية للفرنكوفونية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يقدم المنظمة الدولية للفرنكوفونية كفضاء متعدد الأطراف قائم على الشراكة الثقافية واللغوية، فإنها لا تزال، في نظر عدد متزايد من الدول الأفريقية، تعامل كـ أداة نفوذ سياسي لفرنسا داخل القارة. وقد تعزز هذا التصور في السنوات الأخيرة مع انسحاب دول أفريقية محورية من المنظمة، في مقدمها النيجر، التي شهدت على أراضيها توقيع اتفاقية نيامي سنة 1970، أي ميلاد المنظمة نفسها.

ففي يوليو 2023 أعلنت النيجر انسحابها من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، مبررة قرارها بما وصفته بـ تسييس المنظمة، وانحيازها لمواقف فرنسية وأوروبية معادية لخياراتها السيادية عقب التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد.

ولاحقا، في يناير 2024، أعلنت كل من مالي وبوركينا فاسو انسحابهما الرسمي من المنظمة، معتبرتين أنها لم تعد إطارا ثقافيا محايدا، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي تستخدم لمعاقبة دول اختارت مسارات مستقلة عن النفوذ الفرنسي، خاصة عبر مواقفها من الانقلابات، والعقوبات، وتعريف "الشرعية" السياسية.

وبررت هذه الدول قراراتها بالقول إن الفرنكوفونية، بصيغتها الحالية، لم تعد تحترم مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وإنها باتت تعكس اختلالا بنيويا بين ثقل أفريقيا الديموغرافي داخل الفضاء الفرنكوفوني، وبين محدودية تأثيرها الفعلي في القرار والقيادة.

وفي هذا السياق، يكتسب التنافس الجاري داخل المنظمة، ولا سيما حول منصب الأمين العام، دلالة أعمق من مجرد صراع شخصي أو إقليمي، ليصبح اختبارا حقيقيا لمستقبل الفرنكوفونية نفسها: هل ستظل أداة نفوذ لدولة راعية واحدة، أم تتحول فعلا إلى إطار متعدد الأطراف يعكس الوزن الأفريقي المتزايد، ديموغرافيا ولغويا وسياسيا؟