إيران.. حين يصبح السؤال: كيف تخسر بأقل كلفة؟
بقلم: د. حكمت نبيل المصري*

لم تعد إيران اليوم أمام معادلة الربح والخسارة كما في السابق. فمرحلة توسيع النفوذ وبناء "محور المقاومة" وصلت إلى سقفها الأعلى، ومعها بدأت مرحلة أكثر قسوة: مرحلة إدارة التراجع.
لم يعد السؤال المطروح داخل دوائر القرار في طهران: كيف ننتصر؟ بل بات أكثر واقعية وخطورة: كيف نخسر بأقل كلفة ممكنة؟ ومن يملأ الفراغ بعد ذلك؟
خلال السنوات الأخيرة، فقدت إيران تدريجيا كثيرا من أوراقها الإقليمية. حلفاء أنهكتهم الحروب، ميليشيات تحوّلت إلى عبء سياسي وأمني، واقتصاد داخلي يعاني من تضخم خانق وعقوبات طويلة الأمد. في المقابل، تآكلت سردية "الردع" التي بنى عليها النظام شرعيته الخارجية، وباتت غير قادرة على إقناع الداخل قبل الخارج.
ما يُقلق النظام الإيراني حقا ليس إسرائيل ولا عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، بل الانكشاف الداخلي. فالاحتجاجات التي تتجدد بأشكال مختلفة لم تعد محصورة في مطالب اقتصادية أو معيشية، بل أخذت تمسّ جوهر العقد السياسي نفسه. ومع كل جولة احتجاج، يتعمّق السؤال الأخطر: من يحكم؟ ولماذا؟
في هذا السياق، يدرك النظام أن الخسارة الخارجية يمكن احتواؤها، أما الخسارة الداخلية فهي وجودية. لذلك نراه يتصرّف بعقلية "تجميد الأزمات" لا حلّها، و"شراء الوقت" لا إنتاج حلول. فالتراجع الإقليمي، مهما كان مؤلمًا، يظل أقل خطورة من سيناريو فقدان السيطرة على الداخل أو تفكك مركز القرار.
الأكثر رعبا لطهران ليس سقوط نفوذ هنا أو هناك، بل ما بعد التراجع:
- من يملأ الفراغ في حال انكفاء القبضة الإيرانية؟
- هل هو انتقال منظم داخل النظام؟ أم انفجار اجتماعي؟ أم صراع نخب يعيد إنتاج السلطة بوجه جديد؟
لهذا تحاول إيران اليوم ضبط إيقاع الخسارة، لا منعها. تسعى إلى تحويل الانحدار إلى عملية بطيئة يمكن التحكم بها، بدل سقوط مفاجئ يفتح أبواب الفوضى. إنها سياسة إدارة الهزيمة لا صناعة النصر، وتأجيل لحظة الحساب أكثر من كونها تجنبًا لها.
في المحصلة، إيران لا تخوض معركة بقاء ضد خصومها الخارجيين بقدر ما تخوضها ضد فراغ محتمل تخشاه أكثر من أي ضربة عسكرية أو ضغط سياسي. فالتاريخ يُظهر أن الأنظمة السلطوية لا تسقط حين تُهزم خارجيًا، بل حين تفقد قدرتها على ضبط الداخل، وعندها لا تعود الأسئلة عن الخسارة.. بل عن النهاية.
-----------
*صحفي وكاتب مختص بالشؤون الدولية، وباحث في القضايا والنزاعات المسلحة