طوفان حماس بين الواقع والتنظير
باسم برهوم

عندما تنشأ خلافات، أو تظهر وجهات نظر متباينة حول حدث ما، فإن الحكم هو الواقع على الارض، فالنتائج تقاس بهذا الواقع، وكل ما هو نظري، قد يكون مهما لكنه لا يغير من الواقع أي شيء، حماس في سياق دفاعها عن طوفانها تركز على ما هو نظري، وتحجب، او تحاول تغييب الواقع الحقيقي المر والقاسي على الارض، الذي جلبه طوفانها على قطاع غزة وناسه وعلى القضية الفلسطينية. وعندما تذكر الواقع مضطرة، فإنما هي تمر عليه مرور الكرام، وكانه تفصيل بسيط لا يجب التوقف عنده كثيرا، والسبب في المبالغة فيما هو نظري، والتقليل مما هو واقع، ان حماس لا تريد ان تقول انها ارتكبت خطأ جسيما في السابع من اكتوبر العام 2023، وان هذا الخطأ قد جلب نكبة ثانية للشعب الفلسطيني.
حماس في وثيقتها التي اصدرتها مؤخرا بخصوص الطوفان، لا تتحدث كثيرا عن الارقام، لا تقول ان 300 الف فلسطيني استشهدوا او جرحوا بسبب مغامرة الطوفان، ولا تقول ان 90 بالمئة من القطاع مدمر، وان ما يقارب المليون انسان هم اليوم يعيشون في خيام ممزقة لا تقيهم من البرد ولا تحميهم من المطر. حماسلا تتحدث ان اطفال قطاع غزة وشبابها هم اليوم بلا مدارس ولا جامعات، والناس في غزة بلا مستشفيات، ولا كهرباء ولا ماء نقي صالح للشرب، ولا تتحدث عن ان 60% من القطاع يخضع لإحتلال إسرائيل المباشر، وان ال 40 بالمئة المتبقية، المكتظة بالسكان، محاصرة تماما وتقصف ومساحتها تتقلص كل يوم.
وبسبب الطوفان، الواقع في الضفة ازداد بؤسا ومرارة، مئات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية تقطع اوصال الضفة، وهجمات الارهابيين المستوطنين تضاعفت عشرات المرات بعد الطوفان، وان المساحة المسموح العيش بها للفلسطينيين تقلصت عمليا. وبسبب الطوفان تفاقمت الاحوال الاقتصادية والحياتية للمواطنين الفلسطينيين في الضفة، كما وجد سموتريش من الطوفان مبررا اضافيا لمحاصرة السلطة الوطنية الفلسطينية ماليا ويحتجز كل اموال المقاصة، وبحجة الطوفان يتم سرقة اموال الشعب الفلسطيني بحجة التعويض عما يقولون انهم " ضحايا " هجمات قام بها افراد فلسطينيون في الداخل، ولم يتحدثوا عن تعويض الشعب الشعب الفلسطيني وما لحق به جراء حرب الإبادة الجماعية، التي قال القانون الدولي انها حرب إبادة.
حماس لم تذكر في وثيقتها ان عملية إعادة إعمار قطاع غزة تحتاج إلى اكثر من 70 مليار دولار، ولم تطرح السؤال من اين ستاتي هذه المليارات وبأي شروط، كما لم تقل حماس ان مستقبل القطاع لم يعد قراره بيد الشعب الفلسطيني، انما بيد إسرائيل، ودول اخرى، وان مهمتها اصبحت اصدار بيانات بخصوص الانتهاكات الإسرائيلية، وقمع من يعارضها في منطقة تقل عن 40 بالمئة من مساحة القطاع، ويحتشد بها اكثر من مليوني انسان فلسطيني.
في كل ما تقول حماس وكل ما تقوم به من خطوات على الارض، إنما يؤكد انها تصر على فصل قطاع غزة عن الضفة، فهي لم تقم بأي خطوة، او تصريح يوحي باستعدادها للتعامل مع السلطة الشرعية للشعب الفلسطيني، وهي تعتقد انها بهذا الموقف، المتساوق مع مخططات نتنياهو وحكومته اليمينية، انما يمكن ان يمنحها القدرة على البقاء، والاستمرار بالحكم ولو لجزء من قطاع غزة. واكثر من ذلك، فإن حماس، تحاول مع بعض الاطراف، الهيمنة بطريقة التفافية على لجنة التكنوقراط، التي ستدير قطاع غزة، تحت إشراف مجلس السلام الذي سيتحمل مسؤولية القطاع للسنوات القليلة القادمة.
جدية حماس من عدمها برزت في وثيقتها، في تنظيرها الفارغ، فهي لن تكون جدية ومهيأة للتغيير السياسي،طالما هي لا تعترف بخطأ السابع من أكتوبر، وطالما هي متمسكة وماضية مع نتنياهو بفصل القطاع عن الضفة، فهي تصر على تقديم نفسها بانها هي الملائمة لخطط الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل، وليس مهما بالنسبة لها ان إسرائيل باتت تحتل اكثر من نصف القطاع. عدم جدية حماس يبرز عندما تصر على موقفها بانها البديل لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد رفضت حماس منذ تأسيسها عام 1988 الانخراط بمنظمة التحرير، حتى قبل ان تنخرط هذه الاخيرة باتفاقيات اوسلو، وهي تصر على عدم الانخراط، بل وعلى امتداد عقود كانت حماس جزءا من الماكينة الاعلامية والسياسية التي تشارك في تشويه صورة المنظمة وإضعافها.
والسؤال: لماذا حماس تصر على السياسات الانفصالية والانقسامية؟
الجواب بسيط لانها اخوانية، هي فرع جماعة الاخوان المسلمين في فلسطين، وهي بذلك انما تنسجم مع اصلها الاخواني، وما فلسطين بالنسبة لها سوى ورقة لتعزيز نفوذ الجماعة.