عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 كانون الثاني 2026

ألهذا.. تعشقون بلادكم!

تغريدة الصباح- حسن حميد

 

يا إلهي،

أي مرتفع جبلي هذا الذي أقف عليه مجاورة لدليلي التلحمي (عادل زيدان)، إنني بين أجمات من الغيوم الكثيرة التي تجول مثل أطفال يلعبون، وبين الأرض التي تضيئها هذه الحجارة الوردية والصخور البارقة التي تشبه صفائح نحاس منضدة، لكأننا، وخلقا آخرين، نقف فوق أكف البيوت، وأسطحتها  وساحاتها بادية أمامنا، بأبوابها، ونوافذها، وقناطرها، وحاراتها، وأعمدتها الرخامية، وأخشابها العسلية التي تطوق الشرفات، وحدائقها، وأشجارها، ومروج عشبها، وآبارها، وأدراجها نصف الدائرية بألوانها النداهة، وحجارتها المضيئة، وبياضها المشع كما لو أنها نجوم أرضية.

  منذ الصباح الباكر، أيقظني دليلي (عادل زيدان) التلحمي الذي يصادق التاريخ، والجغرافية، وفنون العمارة، والأسواق، والأنفاق، والسلالم الحجرية والخشبية والرخامية، والأسرار.. في بيت لحم، قال لي: هيا انهض أيها الكاتب الألماني (توماس بالك)، فيومك طويل، وما ستراه سيكون عالماً مسرحياً، صنعته وترادفت عليه الأيدي الحاذقة، ومحبة أهل البلاد الضافية للعمران، لأن قناعتهم راسخة بأن العمران هو الكتاب الأجمل الذي يقرأ الناس فيه تاريخ المعارف والبناء، سواء أكانوا أجيالاً جديدة، أو كانوا من الزوار، والحجيج، طلاب الطمأنينة الوافية، والرضا المقرون بالحس المكاني، وبالعلامات والرموز.. فنهضت، وأنا أردد وراءه: يومك طويل، وسترى عالماً مسرحياً أبوه التاريخ، وأمه الجغرافية، وجماله حذق الأيدي، وسره محبة أهل الأرض وحراسها. لا أدري، وقد ماشيت دليلي التلحمي، كيف ملأت جسدي بقوة  نهر، أو قوة حصان، أو بسحر كتاب اشتقت كثيراً لقراءته، وها قد غدا بين يدي.

  ها نحن، أنا ودليلي (عادل زيدان) ، نقف على جبل هيرادوس فنرى مدينة بيت لحم من عل. إنها مدينة أخرى، فأسطحة البيوت عالم آخر، حيث تتجاور الأبنية، لتبدو مثل خلايا نحل، أو أشجار، أو غدران ماء، فتلك البحرة الواسعة، هي برك سليمان (القانوني)، وهذه العمارة الوردية التي تشبه الصليب، هي كنيسة المهد، وهذه العمارة التحفة ذات القبة الوسيعة، والمئذنة الطويلة البيضاء، هي المسجد العمري، عمارتان نداهتان لكل من يراهما من عل، وقد غطتهما رفوف الحمام، وسحب دخانية رهيفة، تمشي ببطء شديد، قال لي (عادل زيدان)، انظر، إنها أدخنة البخور والشموع، قلت: وهل هذا معقول، إنها كثيرة، قال: معقول جداً، وحين ننزل، سترى كم هي كثيرة القناديل الفضية والنحاسية التي تطلق روائح البخور في الشوارع، وأمام عتبات البيوت، وفي الشرفات، وسترى، كم هي كثيرة أكوام الشمع المتقدة، سترى كل تفصيل في الكنيسة، لأن الشمع أضاءها، وسترى كل تفصيل في المسجد لأن القناديل أضاءته. ويشير (عادل زيدان) بذراعه الممدودة إلى الأسواق المتجاورة والمتداخلة، ويلفت انتباهي لأرى البوابات ، وأسيجة قضبان الحديد، والعربات الخشبية، وأكوام الخضار والفواكه التي رتبتها الأيدي والأذواق، وكأنها باقية للأبد، وأن أنظر إلى ساحات المدينة التي امتلأت بالخلق، وأن أرى أيضاً التماثيل التي توسطتها، وأن أدقق النظر جيداً،  في أدراجها الحجرية، وما أكثرها، وهي تتلوى، وتميل، وتنعطف، وتستقيم، وتنحني، وأن أطلق بصري إلى الطرق والشوارع القديمة والحديثة، لأرى تلاقيها، وكيف قاد بعضها بعضها الآخر مثل أمواج صاخبة! ويطلب إليّ أن نهبط، فأرجوه أن يتمهل قليلاً حتى تصل إلينا جموع الغيوم القادمات.

من المرتفع الجبلي (المنطار) ترى بيت لحم مدينة أخرى، عالماً آخر، ترى البيوت واقفة كأنها مخدرة، والناس يمشون في كل الأمكنة، وكأنهم عشقوا المشي، أو عاشوا من أجله، وروائح الشموع والبخور والأطعمة تتصاعد إليك، لكأنها تصعد كي تلاقي الغيوم فتحملها وتجري بها إلى أمكنة أخرى.

نهبط، فتأخذنا سلالم تضيق علينا بالحنان، إلى عالم سحري لا مثيل له إلى داخل كنيسة المهد، هنا الحيطان، والنوافذ، والأسقف، واللوحات، والرسوم، والفسيفساء، والزخارف، والأبواب الكبيرة جداً، والعتبات المدهشة جاذبة.. إنها عالم من ضوء، ونور ، وأنفاس عطرة، فالبخور تمشي أدخنته مثل أسراب الطيور، بعضها يردف بعضها الآخر، والهواء يهب علينا من كل زاوية، ومنعطف أوقدت فيهما شموع كثيرة، ومن حولنا، وكيفما تحركنا، تبارينا أعمدة ذات لون وردي أحمر، قال لي (عادل زيدان) إنها صنعت من صخور القدس، وصخور نابلس، أعمدة حمر، مصقولة، ناعمة، وفيها ثقوب وسيعة، ظننت أنها تشوه ملاسة الأعمدة، فسألت دليلي (عادل زيدان) عنها، فقال: هذه الثقوب تشير إلى أعشاش (الدبابير ) التي دافعت عن الكنيسة، ضد من أرادوا هدمها، وهذا المكان العالي الذي تراه على يمينك (يا توماس) هو (رأس فطيس)، قلت: وماذا تعني هذه التسمية؟ قال: تشير إلى  المكان الذي فطس فيه المعتدون على الكنيسة، لأن (الدبابير) كانت كثيرة جداً، كانت مثل أسراب الجراد الوحشي.

أعترف بأنني طلبت الاستراحة، والجلوس، والتأمل،  وشرب القهوة، مرات عدة، وكم كان التلحمي( عادل زيدان) متعاونا ومحترما لشيخوختي! الآن، نحن أمام مغارة الحليب البيضاء، لذلك ركعت خشوعا، ورأيت المكان الذي ولد فيه سيدنا، وقد جللته هذه النجمة الكبيرة التي تضيء المكان كله، ورأيت مذود الخراف الذي صار مهداً لسيدنا! يا خالقي، ماذا أرى، وكيف أرى هذه اللوحات الذهبية،  وهذه النقوش، والزينات، وهذه الفسيفساء المذهلة، وهذه الرسوم للأشجار، والطيور،  والنباتات، والأزاهير، والحبال، والأعمدة، وأسأل دليلي، وأنا في ركوعي، من رفع كل هذه الشموع، والقناديل النحاسية والفضية والذهبية.. لتضيء رسومات السقف الطويل المديد العالي، نعم، هذه ليست رسوماً، إنها كتب ناطقة تقول وتروي، يا صديقي (عادل زيدان)، والله صدقت، إنها كتب لا تقرؤها الأبصار، بل تقرؤها المشاعر، لقد تعبت حقا، لعلي مشيت كثيراً، وانحنيت كثيراً لجلال ما أرى، وسمعت كثيراً ما لم أكن أعرفه إلا على شكل شذرات قليلة وقصيرة، عددتها مدهشة، أما الآن فأنا في حريق داخلي متوهج، اسمه الدهشة الخرافية.

   الآن، وبعد أن ارتحت، وشربت عصير الخروب المنعش، وأكلت كعكة تلحمية زاكية، كما وصفها( عادل زيدان) هبطنا أدراجاً كثيرة جداً، ومشينا مسافة بعيدة عن الكنيسة، رأيت قصر هيدريان، إنه قلعة بادية فوق الأرض، لكنه دنيا عجيبة من طوابق غاطسة في أعماق الأرض، وفيها سراديب، وممرات، لا يمكن معرفتها إلا عبر الخرائط، فالاتجاهات تحت الأرض معماة، غامضة، وموحشة، أما الأدراج، والغرف، والمعابر، فهي جميلة، ومدهشة، ومذهلة في عمارتها ونقوشها، والتزيينات التي أحاطت بها، وماشتها من مكان إلى مكان. أنت إن واقفتها ستشعر بأن ألف يد مرت عليها حتى صارت بهذا الجمال الذي يكاد ينطق أو يحكي أو يصرخ، وأرضية القصر الوسيعة غطتها حجارة ملونة، ما من حجر فيها يشبه لونه الحجر الآخر، وأعمدة تعلوها التيجان، وآبار تعلوها الجبال، والقفف الخشبية والجلدية، والكتانية والمعدنية، وتوسطتها فسيفساء ذات لون أرجواني، هنا من فوق قصر هيدريان، يبدو برجان كبيران لأجراس كنيسة المهد، مثلما تبدو قرى لطيور الحمام.

يا، للورق، ما أكثر عجلته، وما أكثر سعيه لأن يمتلئ، فسامحني يا صديقي، لقد كتبت إليك ما استطعت عليه، ولم أحدثك حقاً عما في نفسي بعد أن رأيت ما رأيت في بيت لحم، ولاسيما بيت لحم في الليل، فهي مدينة أخرى، لم ترها أو تعرفها في النهار، إنها مدينة للنور الذي لن ترى له شبيهاً في الدنيا كلها، وقبل أن أنتهي من الكتابة، أسألك يا صديقي، ويدي تتفقد قلبي،  أبسبب هذا الجمال، وحب المكان، ولأجلهما.. تعشقون بلادكم؟!

[email protected]