حماس وفن التضليل ومصطلح "الهوية المقاومة"
باسم برهوم

حماس ليست تنظيما يساريا ولن تصبح، بل هي النقيض لهذا اليسار وعدو له، وخاصة الماركسي منه، الذي تعتبره كفرا، وحماس ليست تنظيما قوميا وهي نقيض الفكر القومي، وهي ليست تنظيما وطنيا فلسطينيا بالتأكيد، بل تعادي فكرة الوطنية وتعادي الهوية الوطنية، بل تعتبر الوطنية نقيض فكرها المندمج بفكرة الأمة الإسلامية، جماعة الإخوان المسلمين.
وعندما قرروا تأسيس حماس لم يذكروا اسم فلسطين عندما أعطوا هذا التنظيم اسما لم يذكروا فلسطين في هذا الاسم، وأطلقوا عليها "حركة المقاومة الإسلامية" لتأكيد هويتها الإخوانية ولم يفكروا مطلقا بما هو فلسطيني. وبالتالي حماس هي فصيل إخواني وينتمي للتنظيم الدولي للإخوان.
هذه المقدمة ضرورية وتساعد كثيرا في رؤية حجم التضليل واللعب بالكلام والتلاعب بالمفاهيم وخلطها ببعض في وثيقة حماس الثانية بشأن الطوفان، والتي صدرت في الأيام الأخيرة من العام المنصرم 2025، وإلى جانب عدم اعترافها بأن ما قامت به في السابع من أكتوبر 2023 كان خطأ، على الصعيد الوطني الفلسطيني، أو أنه سوء تقدير وخطأ في الحسابات على أقل تقدير؟
بقيت حماس تقدم هذا الهجوم بأنه كان عملا عظيما وقلب الموازين متجاهلة الحقيقة المرة الموجودة على الأرض، بأن أكثر من نصف قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر، وان إسرائيل هي هم من يتحكم بمستقبله، وتتجاهل أن الشعب الفلسطيني الصامد في قطاع غزة تعيش غالبيته العظمى في ظرف النزوح القاسي مع الجوع والبرد، وبيوتهم مدمرة.
وثيقة حماس يمكن تدريسها كنموذج للتضليل والتلاعب بالمفاهيم، فهي استخدمت خطابا ليس خطابها الإخواني، أو أنها أخفت موقفها الإخواني بمهارة بين السطور، واستخدمت مفردات ومفاهيم تبدو للقارئ وكأنها تنظيم ليبرالي يرى الأمور بمعرفة موضوعية، واستخدمت مفردات يسارية وقومية أحيانا، كل ذلك من أجل إخفاء الأهداف الحقيقية من كل عمل تقوم به حماس، وهو ما سيتم التعرض إليه لاحقا.
ما يلفت النظر في الوثيقة، استخدام حماس لمصطلح "الهوية المقاومة"، عندما قالت من ضمن "النجاحات التي حققها الطوفان وحرب العامين، أن إسرائيل فشلت في إلغاء الهوية المقاومة ولم تستخدم مثلا روح المقاومة، أو إرادة المقاومة، إنما وضعت المقاومة وكأنها هي الهدف وليس الوسيلة.
هذا المصطلح "الهوية المقاومة" هو المدخل لفهم هدف حماس وجماعة الإخوان من تأسيس الحركة ومن كافة أعمالها وهجماتها وحروبها، هدف حماس والجماعة هو استخدام الدم الفلسطيني والمعاناة الفلسطينية، واستخدام القضية الفلسطينية، التي تلقى طوال الوقت تعاطف وتأييد الشعوب العربية والإسلامية وحتى أجزاء كبيرة من الجمهور في المجتمعات الأوروبية والغربية عموما،، فالجهاد والمقاومة تبدو وكأنها هي هدف، ويجب أن تكون للشعب الفلسطيني هي الهدف كما تريد له جماعة الإخوان، ولكن لماذا؟ ومن ثم ما هو هدف الجماعة وحماس الحقيقي من وراء كل ذلك؟
دور حماس، ومبرر تأسيسها بالنسبة للإخوان، هو جلب الأموال الهائلة للجماعة وتنظيمهم الدولي، فكلما اشتبكت حماس مع إسرائيل وطال الاشتباك وتحول إلى حرب، وكلما كانت هناك مأساة للشعب الفلسطيني ومعاناة قاسية، فهذا يخدم مصالهحم. فيجمعون أموال التبرعات من كل مناطق العالم، وخاصة من الدول الإسلامية، الذي يعتقد المتبرع فيها أنه يدفع من أجل تخفيف ألم الأشقاء الفلسطينيين، لكن هذا التبرع يذهب للجماعة وتنظيمهم الدولي المتخم بالمليارات اليوم من وراء الدم الفلسطيني النازف.
أما الهدف الثاني، فهو تعزيز جماهيرية الجماعة في الشارعين العربي والإسلامي، وفي أوساط الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة وباقي العالم، وهم يحققون نجاحات في كل ذلك.
مصطلح الهوية المقاومة، يهدف في الحقيقية لأن يتقبل الشعب الفلسطيني، وعن رضا أن يكون ضحية الجماعة، ضحية حماس، وأن يعتقد وكأن المقاومة هدف له وأن يجاهد ويقاوم، بغض النظر إن لم يحرر شبرا واحدا من أرضه، بل لتذهب الأرض إلى الجحيم ولكن المهم أن تستمر المقاومة، فالشعب الفلسطيني عليه أن يموت ويضحي فقط، بالرغم أن هدف الشعب الفلسطيني المركزي هو تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي، والدليل أن حماس في وثيقتها لم تر أن طوفانها أدى إلى احتلال أكثر من نصف القطاع، وأن الفلسطينيين استشهدوا وشردوا وهدمت بيوتهم، وإنما رأت أنه لا يزال لديها الفرصة أن تشعل حربا أخرى، وأن تستمر مقاومة حماس وجماعة الإخوان تحديدا، لتزداد الجماعة غنى وثروة، وهي التي جمعت مليارات الدولارات على حساب الدم الفلسطيني في حرب العامين.
لحماس ونتنياهو المصلحة ذاتها في إطالة الحرب، الأولى بهدف تحقيق المكاسب للجماعة، أما نتنياهو فهدفه تدمير غزة وقتل شعبها، وكلاهما، الجماعة ونتنياهو، حققا أهدافهما من الحرب، وان استمرار الوضع الحالي هو لصالحهما، أيضا، لذلك تصر حماس على "الهوية المقاومة" وعدم تسليم السلاح للسلطة الوطنية وتصر على عدم ذكر الهوية الوطنية الفلسطينية وتحرير الأرض، فالمقاومة أو الجهاد بالنسبة لحماس والجماعة هو جمع المال.
وفي سياق إخفاء الأهداف الحقيقية لحماس وجماعة الإخوان، رأينا حجم التضليل في وثيقة حماس الثانية حول الطوفان، ورأينا كل هذا التلاعب في المفاهيم واستخدام خطاب وكأنه خطاب علماني بالرغم أن العدو الرئيس لحماس وجماعتها الإخوانية هي العلمانية كما تقول هي، ولكن للضرورة أحكام.