بيت لحم..!
تغريدة الصباح-حسن حميد

هذه ليست مدينة، هذه كتلة نور هبطت من علٍ، بعد أن اجتمعت نجوم كثيرة، وقد أخذ بعضها بأيدي بعضها الآخر، فهبطت فوق هذا الجبل العالي، وهو جزء من جبال القدس وتلالها، ولكنه أعلى منها، (775م)، وعمرانها مشتق من عمران القدس، فالشوارع الضيقة هنا، وعتبات الأدراج، والأبنية الصلدة المتينة، والأبواب الخشبية المزينة بقصدير النحاس، والشبابيك الطويلة العالية ذات القناطر الراهجة، هي التي هناك في القدس، فالمدينتان، ورغم وجود مسافة (10كم) بينهما، هما مدينة واحدة، ونسيج نوراني واحد.
أجل، يا صديقي، أشعر، أنا (توماس بالك) الكاتب الألماني الذي جعل حياته تدور حول الكتابة المسرحية، والاختصاصي برسم المشاهد، أشعر بأنني ممتلئ بالدهشة إلى حد الذهول، فكل ما أراه هنا، في بيت لحم خرافي وخيالي، إنني أمشي على رقعة أرض مساحتها (22 كم2) وأزيد، هي مساحة مدينة بيت لحم، مساحة لمسرح رحب، يلفني بكل جميل، ومثير، ورائع وجديد ومتغير، أنوار تومض هنا وهناك، لكأنها نداءات مغرية، وشوارع تركض بي، وتضيق علي، لكأن البيوت بأبوابها، وشبابيكها تدنو مني أكثر مما ينبغي، لعلها تريد مصافحتي أو الاحتكاك بي، قلت لدليلي التلحمي (عادل زيدان)، ولماذا هذه الشوارع تضيق علينا، يا صاحبي؟ فقال: إنها شوارع دفاعية، صممها أهلها لتكون ضيقة، كي يدافع أهل البيوت عن بيوتهم، وكي يحرسوا طمأنينتهم، قلت: إنهم في البلدة التي ولد فيها سيدنا، فكيف يخافون؟ قال: لقد عرفت هذه البلدة كل أنواع الاحتلال، والظلم، والتدمير، والخراب، والأمراض، والتهديد، لقد احتلها الآشوريون، والبابليون، والفرس، والإغريق، والرومان، والبيزنط، والفرنجة، والانكليز، والإسرائيليون، وعرفت الزلازل وغضباتها، والجائحات المرضية ورعبها، قلت: كيف يحدث هذا وهي مدينة قداسة، قال: أهل الغضب والعصبيات لا يعرفون قداسة، فالملك (هدريان)، ومن أجل أن يطوي حلماً رآه، ولم يعجبه، بل خافه، قتل أطفال هذه البلدة، لأن الحلم أخبره بأن طفلاً ولد للتو في بيت لحم، وعلامته النور، وله شأن مجيد، سوف ينتزع ملكك، إلا إذا جلست في حضرته، ورحبت بمقدمه، فأرسل جنده إلى بيت لحم ليبحثوا عن الطفل، في كل بيت من بيوت البلدة، وكان من اليسير أن يعثروا على الطفل وأمه النفساء، لكن الأم الفقيرة لم تجد بيتاً يأويها كي تضع مولودها، لذلك لجأت إلى مغارة، أو كهف، أو اسطبل، ووضعت وليدها، وجعلت من مذود الأبقار مهداً له، ومن التبن دفئاً له في ليلة باردة ماطرة، ولهذا عاد الجنود خائبين، وأخبروا الملك الذي عصف به الغضب فطلب منهم أن يقتلوا جميع أطفال البلدة الذين تقل أعمارهم عن عامين.
سامحني، يا صديقي، لماذا أقول لك هذا فأنت تعرفه جيداً، التمس عذرك، ووافر محبتك، وأقول لك مصارحاً أنا لو جلست هنا، في هذا الشارع، شارع ( بيت ساحور) ألف سنة، فلن أشبع من هذا الجمال الذي أراه.
أمامي.. الآن، حبال راقصة، يهزها هواء لطيف، ينشر فوقها عمال الصباغة جزز الصوف، والأقمشة، والثياب، والبسط، إنهم لا يدرون وهم يمارسون عملهم بأنهم يزينون المدينة ألف مرة في الساعة الواحدة، لأن المشاهد تتغير بتغير الألوان حين ينشرونه فوق الحبال، وفي الجوار! ها أنا أمشي وأرى هذا الشارع العجيب، شارع التحف والأشغال اليدوية، إنه مهرجان للأيدي الحاذقة التي تصنع القلائد الخرزية واللؤلؤية، والصلبان، والأواني الخشبية، والعصي، والمزهريات، والألواح الخشبية التي تماهت مع الزجاج، والألواح الخشبية التي تحرق أمام عيني بالنار، فتصير رسومها أشجاراً وطيوراً وأزهاراً وأوراقاً، وهذه المصنوعات الخزفية تتبلور أمامي لتصير عجائب ضاحكة من الأواني والكؤوس والأباريق، واللوحات، يا إلهي كيف طوّع هؤلاء الصناع النار كي تصنع لهم كل هذا الجمال، وكيف دربوها كي تصير خاضعة مرتهنة لأصابعهم المبدعة.
هذا هو دليلي (عادل زيدان)، يقول لي، وكلما صرخت أو وقفت أو رفعت كفي لأغطي دهشة وجهي بها، أنت لم تر شيئاً بعد، هيا اتبعني، يا صديقي توماس! ها هو يقودني نحو حارة ضيقة، أدراجها تصعد بنا إلى الأعالي، عفواً ، إلى الغيوم السابحات، فقلت له: إلى أين يا صديقي، قال: تعال كي ترى براعة النساء، وهن يطرزن الثياب، فقلت: وهل هذا يحدث على مرأى من الناس، قال: نعم، كنا قد مشينا مسافات طويلة، لذلك، أعترف أنني ورغم فضولي لأرى نساء بيت لحم، والتطريز، طلبت من (عادل زيدان) أن نجلس قليلاً فوق هذه الأدراج الحجرية الجميلة، فأنا أظن بأن ما من يد بشرية لمستها حتى سوتها أدراجاً، لإنها هبة سماوية، قل هي أحجار سماوية، تشبه الطيور حين تهبط من عل، وقد هبطت هذه الحجارة هنا، في المكان الصحيح، والمريح، لتصير أدراجا، وإلا كيف أراها على هذا النحو الساحر كما أرى الأشجار، والأنهار، والبحار، وعرائش الدوالي، هنا لا عيب واحداً في هذه الأدراج التي أخذت حجارتها الطويلة الرقيقة الحجارة الأخرى التي تعلوها في عناقات تشبه عناق حلقات الزرد.
يبدو أننا لم نجلس على الأدراج، ولم ألمس نعومتها، لأنني أقف هنا مذهولاً في بوابة سوق التطريز، سوق النساء اللواتي ينقلن القماش من لون واحد إلى ألوان متعددة، فلا يتركن قطعة القماش الواحدة من أيديهن إلا بعد أن ترهج وتنير وتضيء بألوانها، هذه نساء لها وجوه قمرية تشبه وجوه نساء القدس، نعم الجمال في هذه البلاد سلالة واحدة، فبيت لحم، لا تبعد عن القدس أو تختلف عنها في شيء، لقد ربضت بيوتها في علوة الجبل، فبدت مثل عش كبير لطيور كثيرة، متعددة الألوان. هنا، وفي سوق التطريز، أحتار إلى أي قطع قماش، تدور وتتحرك وتطوى وتتزين بين أيدي هؤلاء النساء المطرزات، وحولهن علقت ثياب طويلة مطرزة، وصدريات قصيرة مطرزة ولها أكمام، وأخرى مطرزة بلا أكمام، وسراويل غطتها الألوان والرسوم، وقبعات تكاد تطير من كثرة ومض قصبها، وقربها أحزمة نسائية رفيعة ضيقة، وأخرى وسيعة عريضة غاصة بتآخي الألوان وجمالها.
أرى الإبر الطويلة، وهي تدور بين أصابع النساء، وكأنها ليست هي الإبر التي عرفتها من قبل، هذه إبر من عجين أو قطن لكثرة دورانها بين الأصابع الطويلة دائبة الحركة، تمنيت لو أجلس ساعة، أو ساعات لأملأ عيني، وقلبي من هذا الجمال، ولكن مناداة (عادل زيدان ) دليلي علي قائلاً، توماس انتبه ارجوك، هذا المكان دمّر أكثر من مرة، وخرّبت هذه المحال الصغيرة، واحترقت أقمشة مثل هذه الأقمشة بألوانها، قلت: ومن يقوى على فعل هذا، قال: الغرباء، فأصرخ به، ومن دون وعي مني: صدقت! إنهم يدوسون النعم بالأحذية.
أرجوك، اعذرني يا صديقي، فأنا لن أحدثك عن أمرين اثنين الآن، كنيسة المهد، ومتاحف بيت لحم، سأتركهما لمرة أخرى، لعطش كتابي آخر، لفرح آخر سيسعدني كثيراً.. فهل تنتظرني!