عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 كانون الثاني 2026

فتح.. الحرية تساوي الحياة

سؤال عالماشي - موفق مطر

يسألوننا: ما سر ديمومة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وبقائها؟ فنجيبهم: لا يوجد سر، يكفي أن يقرأ السائل اسم الحركة المستنبت من الجذور السرمدية للوطن التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني (فلسطين) ومن الحرية، أقدس وأغنى وأثمن تطلعات الانسان، ومن قانون الحركة والتقدم والتطور الكوني.

فتح كالطبيعة الحرة التي لم يمسسها بشر، لكنها عاقلة، تمضي بتوازن دقيق، بفضل جاذبية الوطن، فتح أكبر وأعظم من فكرة، ذلك أنها وليدة حضارة وثقافة شعب موجود منذ الأزل، وباق تحت الشمس في أرضه المقدسة، وعليها سيكون الى الأبد، فالفكرة لا تؤسس وطنا، وإنما الوطن منبع الأفكار الخلاقة.

أرادها المناضلون المؤسسون وطنا صغيرا يولد أفكارا مشعة تمنح الوطن رفعة ومكانة في دنيا الإنسانية.. فكانت فتح طاقة الشعب وأنواره في جهات الأرض كافة، فأزاحت ظلام النكبة واللجوء القسري، وابتدأت مسيرة العودة للوطن الأم، بثورة لا يثني إرادة وتعقل ثوارها المستحيل.

ففتح لم تأت بمعجزة، لكنها أثبتت غنى الشعب الفلسطيني بالمعجزات، فقيامته كطائر الفينيق معجزة، وصبره وصموده وبقاؤه في ظل تسونامي القرون الاستعمارية المتتالية معجزة، وثورته المعاصرة منذ 61 عاما معجزة، وانتزاع جزء من أرض الوطن، وتجسيد ما تيسر من حق العودة معجزة، والانتقال الهادئ العقلاني من مسار الثورة الشعبية المسلحة، إلى مسار الثورة الشعبية السلمية معجزة، والتفكير بعقل رجل الدولة وبناء المؤسسات المواكبة للحياة العصرية التقدمية الديمقراطية أيضا معجزة، ذلك لأن أطراف المؤامرة الكبرى قد اتفقوا على إثقال الشعب الفلسطيني بالنكبة والنكسة ومؤامرات التقسيم والشرذمة والتبعية، والاستخدام حتى لا يكون، لكن الشعب الفلسطيني الذي كانت فتح معجزته قرر أن يكون.

لا أسرار في ديمومة فتح، ومن يقرأ تفاصيل وجهها وقلبها وجذورها، سيعرف أنها حركة تحرر وطنية ذات جذور وامتدادات إنسانية عميقة وقلب عربي عميقة شرايينه وأوردته الإستراتيجية وبعيدة المدى، حتى وصلت وطن العروبة ما بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي، ووجه فلسطيني يتجلى فيه جمال الحضارات وصور تكويناتها وتشكيلاتها النبيلة الخالدة، وفيه تتجلى الرواية الفلسطينية بزمانها ومكانها وأشخاصها وأبطالها، ويبوح برؤية نقية للحرية والكرامة والعدالة والسلام.

فتح كانت وما زالت وستبقى وستنتصر لأنها فتح؟ لأنها ليست جماعة صممت على مقاس قوة إقليمية أو دولة تصارع بأدوات خارجية لتمديد نفوذها، ولأنها لم تخرج من مكاتب استخبارات دولية، ولم تستورد نظريات وشعارات، ولم تقيد ذاتها بأي نزعة متطرفة، أو بأي شبهة فئوية عنصرية على أساس العرق أو الدين أو الجنس، لذا لا عجب أنها صارت أم حركات التحرر في العالم.

ولأن فتح منحت النفس الإنسانية القداسة ذاتها التي خلقت معها، أما التضحيات فتقاس بمعايير وحسابات دقيقة، فأرض الوطن لا يحييها ولا يحميها إلا إنسانها الحي القوي الكريم بعيشه وأمنه واستقراره، ولأن الإنجاز بأقل الخسائر هو معيار النضال والقيادة، فالقداسة لنفس الإنسان باعتباره الهدف، وليس (للأداة) التي لم تسمح بخروجها وانحرافها عن منهج مدرسة السياسة.

اختارت فتح الخطاب العقلاني، وجسدت الواقعية السياسية بمعناها الصحيح وهو التمسك بالمبادئ والثوابت، وتحقيق الممكن من الأهداف، وليس في قاموس قيادتها العبث والقرارات الانفعالية، وردات الفعل، فهذا انتحار ما كان يوما ولن يكون في قاموس قيادتها ومناضليها، لأن الشعب سيكون الخاسر الأول والأخير، ومن يخسر الشعب خسر روحه وكيانه ومبرر وجوده.

 لقد انطلقت فتح ومضت بالثورة، وبقيت وستبقى وستنتصر بهذه المعادلة: الحرية تساوي الحياة.