عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 كانون الأول 2025

الانتخابات البلدية.. ضرورة الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية

د. رمزي عوده

دعيت مؤخرا إلى اجتماع لمؤسسات المجتمع المدني عقد في لجنة الانتخابات المركزية، حيث طرح الإخوة والرفاق المشاركون العديد من الآراء القيمة حول قانون الانتخابات الجديد الخاص بالهيئات المحلية. وقد أبدى بعضهم انتقادات لاذعة للبند الوارد في المرسوم الرئاسي، والمتعلق بالتعهد بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وتعهداتها الدولية، بوصفه شرطا للترشح في انتخابات الهيئات المحلية المتوقع إجراؤها في شهر نيسان المقبل.

وصف البعض هذا البند قانونا إقصائيا، وقال آخرون غير ديمقراطي، فيما وجه فريق ثالث انتقادات للجنة الانتخابات المركزية لقبولها هذا التشريع باعتباره إطارا حاكما للعملية الانتخابية البلدية المقبلة. واللافت للنظر أن جزءا كبيرا من المؤسسات التي كانت تؤيد هذا البند، أو لم تكن تبدي اهتماما واضحا به سابقا، امتنعت عن التعبير عن موقفها، ربما خشية الظهور خارج الإجماع، أو لأسباب أخرى.

في الواقع، لم يكن هذا البند مفاجئا؛ فالجميع يدرك أن هناك مطالب شعبية وحزبية واسعة طالبت رأس النظام السياسي بضرورة تضمينه، لأسباب عديدة تجعل من هذا الشرط عاملا إيجابيا في حماية العملية السياسية، من أبرزها:

أولا: الحيلولة دون تكرار تجربة انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، حين فازت حركة حماس، ثم عطلت النظام السياسي بحجة عدم توافقها مع برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي قاد إلى الاقتتال الداخلي والانقسام المستمر حتى اليوم.

ثانيا: يشكل هذا البند عامل ضغط سياسي على حركة حماس، قد يدفعها إلى الانخراط في منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لا سيما أن جولات الحوار العديدة لم تفض إلى قبولها بذلك. فما زالت الحركة تضع شروطا للانضمام إلى المنظمة، من بينها المحاصصة وإلغاء التعهدات الدولية، وبرغم مغامراتها العسكرية في قطاع غزة، التي أفضت إلى نكبة فلسطينية ثانية، لم تبد الحركة حتى الآن قناعة حقيقية بضرورة الانضمام إلى المنظمة لتحقيق الوحدة الوطنية. وكانت تفاهمات العلمين، قبيل حرب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، دليلا إضافيا على رفضها الانضمام إلى منظمة التحرير.

ثالثا: تمثل منظمة التحرير الفلسطينية الحقل السياسي الجامع الذي يجسد جوهر المشروع الوطني الفلسطيني والإرادة النضالية للشعب. والخروج عن إجماع تمثيل المنظمة يعني تعطيل أحد أهم الإنجازات الوطنية التي تحققت منذ عام 1964، والمتمثل في تمثيل الشعب الفلسطيني سياسيا. ومن هنا، فإن السماح بتقويض هذا الإجماع لا يمكن تبريره وطنيا. وفي المقابل، فإن التمسك بشرعية المنظمة هو ضرورة وطنية فلسطينية لمواجهة محاولات الاحتلال الصهيوني المنهجية للنيل من شرعيتها، خصوصا قبيل الحرب الأخيرة، حين طعنت إسرائيل دوليا في تمثيل المنظمة بذريعة أنها لا تمثل جميع الفلسطينيين، في ظل سيطرة حركة حماس على أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في قطاع غزة.

رابعا: تأتي هذه الخطوة في سياق شروع القيادة الفلسطينية بسلسلة من إجراءات الإصلاح في ظرف سياسي بالغ الحساسية. وفي هذا الإطار، لا يمكن تقديم فرصة أو مكافأة لحركة حماس بالسيطرة على بلديات محلية، في وقت كانت فيه سياساتها سببا في تدمير قطاع غزة، ومنحت الاحتلال الذريعة لارتكاب جرائم إبادة بحق الشعب الفلسطيني.

خامسا: إن أي فوز لحركة حماس في بلدية من البلديات سيحرم المواطنين من فرص التمويل والدعم من الجهات المانحة الدولية، التي لا تعترف بالحركة، ولا تبدي استعدادا للتعامل مع بلديات تدار من قبلها أو من قبل مستقلين محسوبين عليها.

سادسا: إذا لم تكن حركة حماس مستعدة للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وتعهداتها الدولية، فلماذا تشارك في انتخابات هي في الأساس نتاج لاتفاق أوسلو، الذي وقعته المنظمة برعاية دولية؟ إن هذا الطرح لا يشكل دفاعا عن الاتفاق، بل اعترافا بالواقع السياسي القائم؛ فنحن ندرك أن إسرائيل لم تلتزم به أصلا، لكننا في الوقت نفسه نعيش تحت احتلال استعماري تحكم علاقتنا به مجموعة من الاتفاقات الثنائية والدولية التي لا يمكن القفز عنها.

وفي الخلاصة، قد يكون الإقصاء ضروريا في بعض اللحظات التاريخية، ليس بهدف إضعاف التعددية، بل من أجل حماية الوحدة الوطنية، ووحدة التمثيل، ووحدة الهوية السياسية. وليس من الحكمة منح مكافآت سياسية لأطراف لم تحترم مسيرة النضال الفلسطيني عبر العقود. وفي المقابل، فإن القناعة المتأخرة التي عبر عنها خليل الحية، رئيس حركة حماس، بأن السلطة الفلسطينية طرف لا يمكن تجاهله في أي حل نهائي لقطاع غزة، تؤكد حقيقة أساسية مفادها: أن حركة حماس لا يمكن تجاوزها في أي انتخابات قادمة، شرط التزامها ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.