عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 كانون الأول 2025

محمد بكري قنديل الجليل الفلسطيني

باسم برهوم

قبل أن أبدأ كتابة المقال قررت أن أبحث عن آخر لقاء صحفي لمحمد بكري ووجدته على اليوتيوب مع إذاعة الشمس التي تبث من الناصرة، أصغيت لكل كلمة قالها بكري، والغريب انه كان يتحدث وكأن الموت يقترب منه، كأن ساعة الزمن التي تخصه تقترب من لحظة التوقف، بالرغم مما كان في حديثه من طمأنينة غريبة، ربما لأنه أوفى بما عاهد نفسه عليه. المقابلة تلخيص رائع لشخصية كبيرة بوزن محمد بكري. وبعد أن أنهيت الاستماع شعرت بندم ما بعده ندم، لأـنني لم أمض أوقاتًا أكثر معه، عندما كان باستطاعتي ذلك، أن تكون مع هذا الإنسان المتناغم مع إنسانيته لدرجة مذهلة، المتناغم مع هويته الفلسطينية لدرجة التماهي التام. ربما هو نموذج للوطنية الفلسطينية التي طالما تحدث عنها محمود درويش بمعناها العميق في قصائده.

بالقياس لغيري، لا يمكن الحديث عن ذكريات ممتدة مع بكري، إنما ذكريات متقطعة بدأت استكشافية في ثمانينيات القرن العشرين لممثل فلسطيني صاعد من داخل الخط الأخضر وصل العالمية. ويشارك في فيلم إسرائيلي يتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يحمل على اكتافة، سعيد ابو النحس المتشائل، بطل رواية إميل حبيبي ويجول به العالم،  وهي الرواية التي تلخص بشكل ظريف حياة الفلسطينيين الذين صمدوا على أرضهم خلال نكبة عام 1948. المرة الأولى التي سمعت فيها بمحمد بكري عندما حضرت عرضًا خاصًا لفيلم "خلف القضبان" في العاصمة القبرصية نيقوسيا. وهو أول فيلم إسرائيلي أشاهده في حياتي، كان الهدف من المشاهدة أن نرى الممثل الفلسطيني الذي بدأ اسمه يلمع بسرعة البرق في عالم السينما، وخلال العرض شعرت بأن منسوب الكرامة وروح الصمود والمواجهة لدي يرتفع بعد مشاهدة الفيلم، الذي يتناول الأسرى الفلسطينيين داخل معتقلات إسرائيل وتحديهم لسجانيهم.

بعد مضي وقت قليل، وفي نيقوسيا ايضا، حيث كنت أيامها أعمل محررا في مجلة "فلسطين الثورة" الناطقة باسم منظمة التحرير الفلسطينية، حضر محمد بكري شخصيا لعرض مسرحية المتشائل للجالية الفلسطينية والعربية في جزيرة قبرص، وكان من ضمن الجالية حشد مهم من النخب الفلسطينية. أذكر أني قرأت رواية المتشائل أثناء دراستي الجامعية في بغداد، وكانت الرواية تباع في مكتبة "الطريق"،  المعروف عنها بأنها مكتبة للحزب الشيوعي العراقي، فنظام حزب البعث القومي كان في حينه يعتبر حزب "ركاح الشيوعي" داخل إسرائيل، الذي اغلب أعضائه من العرب  الفلسطينيين بأنه حزب صهيوني، وبالتالي أدب هؤلاء ممنوع نشره في العراق، بالرغم أنه من أفضل ما كُتب وساهم في بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية.

التقيت أخيرًا ببكري، ووجدته إنسانًا بسيطًا دمثًا يتحدث باللهجة الفلسطينية الجليلية الرائعة، التي لها موسيقى خاصة، دعوته مع أصدقاء آخرين لتناول العشاء في منزلي، كان هو مركز اهتمام جميع من حضر. نستمع له بشغف عن تجربته وعن طموحاته، عن الفلسطينيين في الداخل، وأحوالهم، وطرح السؤال عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن نوصل رسالتهم للعالم.

خلال زيارته لقبرص نظمت له لقاء مع أحد الأثرياء الفلسطينيين، وكان هذا الأخير يقيم بمدينة ليماسول القبرصية الساحلية الجميلة، تحمس الثري الفلسطيني للقاء بكري، وكان القصد أن يدعم فيلمًا فلسطينيًّا يلعب فيه محمد بكري دور البطولة، دار حديث طويل على مأدبة الغداء، وعن أفكار لتطوير السينما الفلسطينية،  إلا أن ذلك الثري أشبعنا من كلامه الجميل، ولم يقدم أي شيء عملي أو حقيقي.

 بعد اتفاقيات أوسلو عدت إلى فلسطين كباقي من عادوا، وكان من بين أهدافي أن ألتقي محمد بكري، كانت من بين الأفكار الطارئة، وبدافع الحماسة والحرص، القيام بإنجاز ومضات تلفزيونية توعوية للمواطن والمسؤول تحضيرا لبناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، يقوم بكري بتمثيلها، ومضات بطول دقيقة أو اثنتين، حول أهمية القانون، والبيئة، والمرور في الشارع ونظافة الشارع، والتكافل بين الناس وعدد من الأفكار الاخرى. زارني محمد بكري في رام الله في صيف عام 1995  وناقشنا الأمر بحماس، ثم سألني، لكن أين ستبث هذه الومضات، فأجبت بسرعة في تلفزيون فلسطين، ابتسم وقال: لكن تلفزيون فلسطين لا يستطيع أحد أن يشاهده في الضفة والقدس، ولا حتى على بعد كيلومتر واحد من المنتدى (مقر ياسر عرفات في مدينة غزة)، كان التلفزيون حديث التأسيس وفي مرحلة بث تجريبي، وتوقفت الفكرة عند هذا الحد، بعد ذلك كنا نلتقي بالمناسبات في رام الله او القدس، وعندما مثل فيلم "عيد ميلاد ليلى" مع المخرج رشيد مشهراوي الذي تم تصويره في رام الله.

محمد بكري هو أحد رموز ذلك الجيل الفلسطيني الجبار في الداخل، الذين بلوروا وصاغوا الوعي بالهوية الوطنية في ظل الضغط الشديد، والتمييز العنصري في ظل المحاولات الصهيونية لجعل الفلسطينيين داخل إسرائيل مجرد سكان لا يجمعهم أي شيء. لو كنا نريد أن ننشئ مقبرة ليدفن فيها كل رموز الشعب الفلسطيني، لكان بكري إلى جانب إميل حبيبي وتوفيق زياد وإميل توما، ومحمود درويش وسميح القاسم وغسان كنفاني، وإسماعيل شموط، وغيرهم.

في مقابلته الاخيرة قبل أن يرحل، كان محمد بكري منحازا للإنسان الفلسطيني البسيط، منحازا للكرامة الإنسانية.  لكرامة الإنسان الفلسطيني، وحقه في التعبير عن ذاته الوطنية.

تحدث عن تجربته الشخصية، من البعنة، هذه البلدة التي بقيت بلا كهرباء حتى عام 1966. وكيف مثل يوسف بولس الذي أنشأ أول سينما في البعنة أحد أبطاله، الذي دونه –ربما- لما كان لبكري أن يشق  طريقه الصعب نحو التمثيل، والإخراج.

عدد قليل من الاشخاص يصادفهم الانسان ومجموعة قصص بسيطة تشكل الذكريات الأولى،  غالبا هي ما تصنع صاحبها ليكون بدوره محفزًا لإبداعات جديدة، إن كان للجيل الفلسطيني من قناديل أضاءت عتمتنا، فإن محمد بكري هو أحد هذه القناديل الذي سيبقى مشعًّا في ذاكرتنا الوطنية.