عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 كانون الأول 2025

تقرير "كان".. من منشور عابر إلى اختبار للوعي الجمعي

مريم شومان

في زمن باتت فيه المعلومة تتحول إلى موقف، والمنشور إلى معركة رأي عام، لم يكن تقرير "كان" العبرية من داخل "آيكون مول" مجرد مادة إعلامية عابرة، بل يمكن قراءته كمحاولة مدروسة لاختبار حدود الوعي الجمعي الفلسطيني، وقياس قدرة هذا الوعي على التمييز بين الحدث الإعلامي ومغزاه السياسي.

ففي ظاهر التقرير، بدا الأمر كأنه "مبادرة صحفية استكشافية" نفذها فريق إعلامي، لكن في جوهره يحمل ما هو أعمق بكثير؛ رسالة سياسية ناعمة تستهدف الوعي لا المكان، والمخيلة الجمعية لا فقط المتلقي اللحظي.

رام الله لم تكن اختيارًا عفويًا، إنها المدينة التي تجمع الفلسطينيين من مختلف المحافظات، وتُعد مركزًا سياسيًا وإداريًا وثقافيًا يعكس صورة الاستقرار الفلسطيني وحيويته المدنية، اختيار رام الله لتصوير تقرير إسرائيلي ليس مجرد مغامرة إعلامية، بل رسالة رمزية موجهة مفادها أنّ "المركز الفلسطيني" لم يعد بمنأى عن عين الإعلام الإسرائيلي، وأن هذا الإعلام قادر على تجاوز الحدود المعنوية دون تصريح أو مواجهة.

هذه الرسالة تسعى في أحد أوجهها إلى تطبيع فكرة الوجود الإسرائيلي في الفضاء الفلسطيني تحت غطاء حرية الصحافة، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة النفسية بين "الراوي" و"المروي عنه".

لكن الأهم من الحدث ذاته هو ما تلاه من تفاعل رقمي فلسطيني واسع، كشف عن ملامح معركة أخرى تدور في الفضاء الافتراضي، انقسمت الآراء بين من رأى في التقرير اختراقًا خطيرًا يستوجب الردّ، ومن قلّل من شأنه باعتباره محاولة إعلامية بلا تأثير حقيقي.

غير أنّ هذا الجدل على تنوعه، جسّد ما أرادته القناة الإسرائيلية بالضبط؛ تحريك الوعي الفلسطيني نحو التنازع الداخلي في تفسير الحدث، بل توجيه البوصلة نحو مغزاه الحقيقي.

فالإعلام الإسرائيلي يدرك أن المعركة اليوم لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بإدارة النقاشات الرقمية وصناعة الانقسام الرمزي داخل المجتمع المستهدف.

تسعى مؤسسات الإعلام الإسرائيلية منذ سنوات إلى توسيع ما يُعرف بـ "معركة الوعي" ضد الشعب الفلسطيني، وهي معركة لا تستهدف نفي السردية الفلسطينية فحسب، بل تهدف إلى إعادة تشكيلها من الداخل –عبر بث الشك- وتفكيك الثقة بالمصادر الفلسطينية، وخلق شعور بالتطبيع الرمزي مع فكرة "الاختراق والمراقبة".

بهذا المعنى، لا ينفصل تقرير "كان" عن الاستراتيجية الأشمل التي تتبناها منظومة الاحتلال؛ تطويع الوعي الفلسطيني ليقبل التداخل الإسرائيلي في تفاصيل حياته اليومية، من الاقتصاد والإعلام حتى الفضاء الرقمي.

في مواجهة هذه الحرب الصامتة، لا تكفي الإدانات ولا ردود الفعل الغاضبة، بل تبرز الحاجة إلى بناء وعي نقدي وطني موحد قادر على قراءة ما وراء الصورة، فالقوة تكمن في إدراك الفلسطينيين لآليات التأثير الإعلامي، وتحويل الحدث من مساحة استفزاز إلى فرصة للوعي.

إن الحفاظ على التماسك الرقمي والاتزان في الخطاب هما جزء من حماية الجبهة الداخلية الفلسطينية التي تشكل أحد أهم عناصر الصمود في وجه محاولات الاختراق المعنوي.

التقرير لم يكن مجرد "فعل إعلامي" بل اختبار لمستوى النضج الجمعي الفلسطيني في التعامل مع الاستفزازات الناعمة، وهو اختبار أظهر أن الشعب الفلسطيني رغم اختلاف وجهات النظر يمتلك قدرة عالية على فرز المقاصد وقراءة ما وراء الخبر.

لكن التحدي المستقبلي يكمن في تعزيز هذه القدرة ضمن رؤية وطنية متكاملة تجمع الإعلام الرسمي والخاص والجمهور الرقمي تحت عنوان واحد: إدارة الوعي الوطني في زمن التشويش المعلوماتي.

قد تبدو القصة للوهلة الأولى عبارة عن "تسلل إعلامي" داخل مدينة فلسطينية، لكن في حقيقتها جزء من مشروع طويل المدى يستهدف العقل والذاكرة والرمز، والسؤال هنا: ليس كيف دخل الصحفيون؟ بل لماذا اختير هذا التوقيت والمكان؟ وما الذي يُراد للعالم أن يراه في رام الله؟

هنا يصبح الوعي الجمعي الفلسطيني الواعي، المتزن والموحّد خط الدفاع الأول والأخير في مواجهة محاولات الاحتلال لإعادة صياغة الحكاية الفلسطينية بلسانٍ آخر.