سردية الوهم: حين تكتب حماس بيانها خارج الواقع
حكمت نبيل المصري

أعلنت حركة حماس، مؤخرًا، وثيقتها السياسية التي تطرح فيها سرديتها الرسمية لما سمّته «طوفان الأقصى»، في نصٍّ مطوّل تجاوز ستًا وثلاثين صفحة، بدا أقرب إلى بيان تبريري طويل منه إلى مراجعة سياسية مسؤولة. فالوثيقة لا تُناقش ما جرى بقدر ما تحاول إعادة تعريفه، ولا تُفسّر الكارثة بقدر ما تُنكرها.
تحاول حماس إقناع الناس بأنّ أكبر مأساة إنسانية عرفتها غزة وفلسطين في تاريخها الحديث لم تكن سوى «ضرورة وطنية» و«إنجاز تاريخي». بل ذهبت أبعد من ذلك حين أرفقت الوثيقة بقائمة من عشرين ما وصفته بـ«الإنجازات العظيمة»، في خطابٍ منفصلٍ تمامًا عن الواقع، ومُهينٍ لعقول الناس، ومستفزٍّ لمعاناتهم اليومية.
ما تفعله الحركة هنا ليس قراءة سياسية للأحداث، بل محاولة فجة لتبييض قرار كارثيّ لم يُستشر فيه الشعب، ولم تُحسب كلفته الإنسانية والسياسية، ولم تُراجع نتائجه حتى اللحظة. إنها سردية أحادية تُفرض بالقوة الأخلاقية الزائفة، وكأنّ أهل غزة لا يرون بأعينهم، ولا يسمعون أصوات الفقد، ولا يعيشون نتائج هذا «الإنجاز العظيم» في كل بيتٍ مدمَّر، وكل عائلةٍ مكلومة.
تتعامل قيادة حماس مع الواقع كما لو كان مادةً دعائية قابلة لإعادة الصياغة، متناسيةً أنّ الحقائق أعند من الشعارات، وأنّ الواقع لا يُهزم بالخطب، ولا يُمحى بالبيانات، ولا يُعاد تشكيله عبر منشورات سياسية مُنمّقة. فالموت ليس رأيًا، والخراب ليس وجهة نظر، والمجاعة ليست تفصيلًا لغويًا يمكن تجاوزه.
ومن دون الدخول في الجدل النظري حول مشروعية المقاومة من حيث المبدأ، فإنّ السؤال الذي تتجاهله الوثيقة عمدًا هو: من يملك حقّ اتخاذ قرار بحجم الحرب نيابةً عن أكثر من مليوني إنسان؟ وأيّ «إنجاز» هذا الذي يُقاس بعدد الشهداء، وبمدى تدمير المجتمع، وبإغراق القضية الفلسطينية في عزلة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة؟
لقد قدّم أهل غزة تضحيات هائلة، لكنّها لم تكن خيارًا حرًّا ولا قرارًا واعيًا، بل فُرضت عليهم فرضًا، ودُفعوا إليها دون حماية، ودون أفق سياسي، ودون مساءلة. وأي خطاب سياسي يتجاهل هذه الحقيقة، ويرفض النقد الذاتي، ويصادر حقّ الناس في السؤال، إنما يُعيد إنتاج المأساة بدل أن يتعلّم منها.
أخطر ما في سردية حماس ليس فقط ما تقوله، بل ما تُصرّ على عدم قوله: غياب الاعتراف بالمسؤولية، ورفض المراجعة، وإنكار حقّ المجتمع في المحاسبة. وهنا، لا يعود الخلاف سياسيًا أو أيديولوجيًا، بل أخلاقيًا بامتياز.
في المحصلة، لا تُقاس الحركات السياسية ببلاغة بياناتها، ولا بطول وثائقها، بل بقدرتها على تحمّل مسؤولية قراراتها، وبشجاعتها في مواجهة نتائجها. وأيّ حركة ترفض الاعتراف بالأخطاء، وتُصرّ على تسويق الكارثة بوصفها نصرًا، إنما تُمعن في إهانة الضحايا، وتُمعن في القطيعة مع شعبها.
غزّة لا تحتاج إلى سردية جديدة، بل إلى حقيقة واحدة: أنّ الإنسان الفلسطيني ليس وقودًا للمشاريع السياسية، وأنّ الدم لا يمكن أن يكون مادةً دعائية، وأنّ المقاومة، كي تكون أخلاقية، يجب أن تكون مسؤولة، خاضعة للمساءلة، ومُنحازة للحياة قبل أي شيء آخر.