عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 كانون الأول 2025

كنت.. في القدس!

تغريدة الصباح-حسن حميد

يكتب إلي (توماس بالك) الكاتب المسرحي الألماني (73 سنة) المولود في شتوتغارت (1952) الذي عاش حياته عازباً، بعد أن رحلت عنه صديقته (ماغندا) رحيلاً دنيوياً أخيراً، ولم يعرف عنها خبراً واحداً يفيده إن كانت على قيد الحياة أم لا، قالت له: أنا ذاهبة لأشحن روحي في الريف الألماني في بلدتي (لوتفاجان)، أي حيث تعيش أمها وجدتها، وكي ترى حال من أحبته يوماً (فرانك)، ومن كانت تخرج إليه في العتمة على طيف من الخوف، لتقول له كلمة، أو كي تبثه شوقاً اقتلعها من دفء فراشها، أو تبدد قلقاً حال بينها وبين النوم، ولترى ما الذي فعلته الأيام به، وهل ما زال قادراً على أن يخرجها ليلاً، لتقول له كلمات فقط، أم أن الحياة غيرته وغيرتها، يكتب إليّ (توماس بالك) عن زيارته للقدس، فيقول:

  ها أنا في القدس، يا صديقي الفلسطيني، التي رأيتها قطعة من جمال اعتلت الجبال والتلال والأودية، لتصير جزءا من أسرار السماء، وجزءا من بهجة الأرض، شأنها في هذا شأن بلدكم المذهل في كل شيء، فلا يصحبني ويماشيني سوى هواء لطيف رهيف، ومطر ناعم خفيف، وحولي خلق، يمرون بي، وأمر بهم، لهم ألفة أحس بحرارتها، ووجوه فرحة ذات ضوء كثير، أمر بأرصفة تلوذ بها نساء بائعات، لهن وجوه عسلية بارقة، يبعن بعض ما لديهن من خضار، وفاكهة، وأقراص عسل، يكاد شمعها يضيء، وأرغفة خبز مرقوقة، عريضة وواسعة، ذات شقرة جاذبة للنظر، وأجبان وألبان وقشطة وزبدة، وبجوارهن وأمامهن حزم النعناع المورق، شديد الخضرة، والبصل، والجزر، والسبانخ؛ تبدو النسوة الجالسات، كأنهن يجلسن في نعيم لا يردن لأنفسهن الافتكاك منه، أجسادهن رشيقة، ذات همة، وعيونهن مملوءة بالذكاء واليقظة والحذر، والسيارات، رغم ضجيجها، تمر بهن، وكأنها هامش صغير ملحق بنص طويل.

أمشي والأبواب، وواجهات المحال، والمطر، والأشجار تباريني، والطيور التي تتقافز من نافذة إلى أخرى، ومن رصيف إلى رصيف، كلها تلفت انتباهي وتدعوني للوقوف والتأمل، وتدقيق النظر لكي أعي نثار السحر الذي يلفها مثلما تلف هذه الأيدي الناشطة، التي أراها، فطائر الجبنة والزعتر الخارجة لتوها من بيت نار هذا الفرن المهيب، وتقذف بها لمن طلبها واشتراها؛ أقف للحظات لأرى الأيدي العاجنة، والأيدي التي ترق العجين، وتمده ليصير فطائر قمرية صغيرة مملوءة بالجبن والزعتر والزيتون. والرجل الطويل النحيل الذي التي يدفع الفطائر إلى داخل فوهة الفرن، قرب النار المتوهجة بذراع خشبية طويلة، يبدو لي مثل راقص بارع يؤدي دوراً على المسرح، فأقف مع الواقفين، وأطلب فطيرة جبنة واحدة، فيسألني الشاب الأسمر مستغرباً: واحدة فقط؟ فأقول واحدة فقط، فيدفع إليّ فطيرة جبنة شقراء، وأمد نحوه قطعة النقود، فيقول لي: لا، هذه ضيافة، صحة وعافية. أشكره وأستدير، وأنا أقضم الفطيرة، وأهمهم: أي جبنة هذه، وأي سخونة تلفها، وأي مطر لطيف هذا الذي يظللني، وأي نظرات تقول لي: شهية طيبة.

هذا مقهى صغير، أدلف إليه، اسمه مقهى زعترة، كل ما فيه مصنوع من الخشب، الكراسي، والطاولات الكبيرة والصغيرة، والصواني، والأرضية، والسقف، والجدران، وأنا أحب الخشب، أرى الناس  من حولي في حوارات ونقاشات، بعضهم يقرأ في الجرائد الصباحية، وبعضهم يدخن، وينتظر، ويتفرج، فأجلس، وأنا لا أدري لماذا جالست هذا الرجل العجوز مقابلة، سلمت عليه بذراع مرفوعة، ونظرات جادة، فرحب بي، وحرك الكرسي بجواره، إشارة لي لقبوله بي، أحياناً، المصادفات جميلة، وآسرة، فقد عرفت أنّ الرجل من القدس، وله فيها حياة وسيعة رحبة، ورث عن أهله بيتاً ودكاناً، ولكنه الآن يقيم في القدس، في بيت استأجره، لأن بيت أهله افتك منه لأنه لا يمتلك أوراقاً تثبت ملكية أهله له، وأن دكانه أخذ منه أيضاً لأن الضرائب التي فرضتها بلدية القدس عليه باتت باهظة جداً، وتم الحجز على الدكان الذي يستثمره الآن رجل آخر، وأشار لي نحو الدكان، فنظرت إليه، إنه دكان يبيع فيه كل ما تحتاج إليه البيوت من الأواني: زجاجية، ونحاسية، وبلاستيكية، قلت له، وهل يرضيك هذا؟ قال: لا يرضيني، لكنني أعمل ما في وسعي لأستعيد دكاني، ودار أهلي، وأنا أوزع وقتي بين المحاكم، والمجيء إلى هنا، لأرى دكاني.

  صدقني، يا صديقي، أنا ما أردت الحديث مع الرجل الذي سرق بيته ودكانه، لأنني أعرف ما تحمله قصص وحكايات الفلسطينيين من ألم وغصص وأحزان وهم يواجهون شرور الحياة، لقد دخلت المقهى لأرى حركة الشارع، وحركة الناس ومقاصدهم من هذا المشي العجول وحسب، سامحني، لم أقل لك، إن الرجل، وحالما جالسته، انقطع عن أكل لقمات من كعكة طويلة  شكلها أسطواني، يبدو أنّ ناراً هادئة شوتها على مهل، فدعاني لآكل منها، فهززت رأسي شاكراً، لكنه ألح علي، وناولني قطعة بحجم إصبع منها، فذقتها، يا الله، كان طعمها لذيذاً جداً، ورائحتها رائحة الزهر.

   ومرة أخرى ورطت نفسي، فجلست في دكان صغير لإسكافي فلسطيني، بدا لي مكانه، كأنه حيز من سجن ليس إلا، قلت له: دكانك ضيق جداً، قال لي: كل يوم أوسعه بالمحبة، والحديث إليه، قلت: وهل كان أضيق مما هو عليه الآن، قال: بكثير، كان الرجل يدخن ويشرب الشاي الغامق، فعزم عليّ، قلت له: لا أدخن، وأشار إلى الشاي، قلت: حبيبتي القهوة، كان الرجل صاحب شوارب كثة، ووجه صخري، لكنه قادر على الابتسام، جالسته وقتاً شعرت بأنه ممتع  ومريح، سرقته من ضجيج المدينة، ولم أتركه إلا بعد أن عرفت منه أن مكانه الضيق هذا هو جنته التي لا يريد لها بديلاً، وحين تركته، حومت مثل طيور الحمام الكثيرة جداً في القدس، فمررت بالحارات والشوارع الضيقة، والأدراج، وواقفت النوافذ، والأبواب التي بدت لي وكأنها كتب مدتها الحيطان أمام أنظار المارة ليعرفوا منها الكثير عن حياة البيوت، والناس، وأحداث التاريخ، وعشق الأمكنة.

 ومررت بالأسواق التي استطاعت كل سوق منها أن تحافظ على حيويتها، وخصوصيتها مثلما تحافظ على بضائعها، وزبائنها، وطقوسها، مع أن لا جدران، ولا فواصل تحول بين سوق وأخرى، وحين تعبت جلست في مقهى وسيعة أمام كنيسة القيامة، والمساجد المجاورة لها، كي أرتاح قبل أن أدخل إلى الكنيسة، جلست ورحت أشرب قهوتي، وأنا أرى مشاهد ما كنت قادراً على تخيلها في أحلامي، رأيت تحويما للباعة يشبه تحويم الطيور، وهم يبيعون الشموع، وأعواد البخور، وقناني الزيت، وكل أنواع الهدايا من الصلبان إلى أكياس الزعتر الصغيرة، إلى أطواق الخرز، وأساور الجلد، والكعك، والحلويات، وقناني الماء، والمناديل الورقية، رأيت الناس يدخلون إلى الكنيسة، ويتزاحمون عند أدراجها وعتباتها كما لو أنهم يفرون من بأس شديد.

  صديقي، قل لي كيف يعيش المرء في القدس، وكيف ينام، وهو في قلب هذه الدهشة، واليقظة، والفطنة، وبأي عقل، وبأي رغبة، وبأي نشاط، وبأي صحو يقابل زائر القدس عمرانها، وناسها، ونقوشها، وكتاباتها، وما تبديه من جمال وسحر حلال.

سامحني، أطلت عليك، وأعدك، بأنني حين أخرج من كنيسة القيامة، سأخبرك بما أظن أنه هو دهشة الحياة المرجوة طمأنينة، بل هو خلاصة الحياة وجوهرها.

[email protected]