عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 كانون الأول 2025

بخصوص اللغط المتعلق بمؤسسة التمكين الاقتصادي؟

باسم برهوم

في كل تجارب حركات التحرر هناك قيم يتم إرساؤها تصل إلى درجة التقديس. أو أنها خطوط حمر لا يمكن تجاوزها، وبالتأكيد الأرض، والتي هي بمثابة الوطن تعتبر الأكثر قدسية، والإنسان ذاته صاحب القضية يعتبر الحفاظ على حياته أمرا مقدسا، وأن التضحيات ليست للبيع والشراء، فهي إن كانت في لحظة ما تشكل ضرورة لتحققيق الأهداف، فإن المهم ألا يبالغ بها في سباق مزايدات، أو لصالح أجندات خارجية. ومن القيم التي ترتقي لمستوى المقدس هي قضية الشهداء وأسر الشهداء، وقضية الأسرى والأسرى المحررين. فهم رمز للتضحيات الوطنية، ولا يمكن أن يكون هناك خلاف فلسطيني بخصوص هذه الرمزية.

ومن أدبيات الثورة الفلسطينية، وقراراتها الأولى التي تؤكد على تأمين حياة كريمة لأسر الشهداء. والجميع يتذكر القصة الشهيرة التي كان يرددها الرئيس الراحل ياسر عرفات، والتي جرت في الأشهر الأولى لانطلاق الثورة ومع أول شهيد وأول أسير، وهي قصة تبرع رجل أعمال جزائري بمبلغ خمسة آلاف دولار للثورة، وأمر عرفات في حينه بوضعها في صندوق خاص أطلق عليه صندوق أسر الشهداء، والذي تحول لاحقا إلى مؤسسة أبناء الشهداء، والتي كانت مهمتها تأمين حياة كريمة لأسر وعائلات الشهداء. كثر الشهداء وكثر الأسرى وتواصل المبدأ نفسه في التعامل، ومع تأسيس السلطة الوطنية تم تخصيص وزارة تحمل اسم وزارة الأسرى. بهدف المحافظة على حقوقهم.

السؤال، الذي من المفترص أنه أشبع نقاشا على كل المستويات، في إطار حركة فتح والمنظمة، والمؤسسات المعنية بالأسرى وأسر الشهداء، لماذا مؤسسة التمكين الاقتصادي؟  قبل الدخول في التوضيحات المتعلقة باللغط الجاري حاليا، لا بد من القول إن إنشاء هذه المؤسسة جاء لضرورات سياسية واقتصادية ومالية واضحة للجميع، وأنها لو لم تكن ضرورة لما كان الرئيس محمود عباس قد أصدر مرسوما رئاسيا بشأن تأسيسها، والمرسوم لم يصدر إلا بعد أن أشبعت القضية نقاشا في الأطر المختلفة لأشهر عديدة وربما فترة زادت عن سنة كاملة. لذلك المقال لن يناقش من جديد ما تم نقاشه وتم التوافق بشأنه بشكل عام. إنما يتناول اللغط الجاري حاليا، والذي من الناحية الواقعية إعادة لا ضرورة لها لعقارب الزمن إلى الوراء، وأنها مماحكات لا لزوم لها ولا تنقصها الساحة الفلسطينية المليئة بالأزمات، وتشتيت للجهد. في البداية لا بد من القول إن قيمة الشهداء، الذين نجمع على أنهم أنبل من فينا، لا تنبع من مخصص أو راتب، بل من قيمتهم الرمزية والوطنية المعنوية في المجتمع، وقيمة الأسرى تستمد من تضحياتهم التي يقدرها ويلمسها المجتمع، وهذا التقدير لا علاقة له بأن الدولة تخصص له راتبا أو مخصصا أم لا، فقيمة الشهيد أو الأسير لا تقدر بمال الدنيا، فهي أعلى شأنا وسموا من أي مال.

هناك جانب اجتماعي في موضوع أسر الشهداء ومخصصات الأسرى وليس سياسيا ومعنويا ورمزيا وحسب، فمخصصات الضمان الاجتماعي في العالم إنما هدفها الحفاظ على كرامة الإنسان، وألا يكون أي فرد في المجتمع عرضة للحاجة. مؤسسة التمكين الاقتصادي إذا كان هدفها ضمان كرامة الإنسان فهي لا تتناقض مع الفكرة الأساسية التي نادت بها الثورة ولو كان الرئيس ياسر عرفات على قيد الحياة ولمس أن إنشاء مؤسسة تحفظ حقوق الأسرى من جهة وتخفف الحصار السياسي والاقتصادي على الشعب الفلسطيني لما تردد وسيخطو الخطوات ذاتها التي خطاها الرئيس محمود عباس الذي أصدر المرسوم.

لو دار النقاش حول الحرص بأن تكون المؤسسة شفافة وتخضع لآليات مراقبة لقلنا إنه أمر مشروع،، ومهمة المؤسسة أن ترد عبر ما تقدمه من تقارير عن سير عملها لمؤسسة الرئاسة. وفي المستقبل للبرلمان بعد أن تجري الانتخابات العامة. الجميع يدرك الأسباب التي دفعت الرئيس لإنشاء مؤسسة التمكين، وهو قام بهذه الخطوة دون أن يمس بالحقوق الأساسية للأسرى، وعائلات الشهداء، وبهدف تقريب الفكرة يمكن طرح السؤال التالي هل كان من الضروري أن يستشهد أكثر من 70 ألف إنسان فلسطيني كي نحرر 3 أو 4 آلاف أسير؟  صحيح أن تحرير الأسرى هو هدف يحظى بالأولوية ويجمع عليه المجتمع، ولكن هل يتم ذلك بهذا القدر الكبير من التضحية؟

مخصصات الأسرى وعائلات الشهداء مهمة للغاية ولكن هل يجب إفقار كل الشعب الفلسطيني، خصوصا وأن حقوقهم المادية ستصلهم؟ علما كما وسبقت الإشارة فإن قيمة الأسير. أو الشهيد لا تقاس بالمال والمخصصات، وإنما هي قيمة معنوية ورمزية ثم هل الرئيس أخطأ عندما أصدر المرسوم؟ بالتأكيد هو لم يخطئ لأنه رجح المصلحة العامة الأشمل، كما أن المرسوم صدر بعد أن أشبع الموضوع نقاشا، ثم يأتي، هل يقبل الأسرى الفلسطينيون أن يحاصر الشعب الفلسطيني بحجة مخصصاتهم؟

هناك حاجة لأن نتوقف وألا نغرق في خلافات داخلية لا ضرورة لها، مع كل التقدير لكل الآراء، ولكن لا نعود لمناقشة موضوع مفترض أنه قد أشبع نقاشا.