عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 كانون الأول 2025

لغز السابع من أكتوبر... بدء انكشافه

د. رمزي عودة

اختلف معظم المحللين السياسيين في تفسير الأسباب الحقيقية التي دفعت حركة حماس إلى هجوم السابع من أكتوبر، أو ما أطلقت عليه الحركة اسم "طوفان الأقصى". فذهب بعضهم إلى اعتبارها مجرد تنفيذ لأجندة إيرانية تهدف إلى تعطيل مسار التطبيع، والسعي إلى تكريس إيران قوة إقليمية عظمى. وقد ألمح منظرو حركتي حماس وحزب الله إلى هذا المنهج التفسيري، معتبرين أن عملية السابع من أكتوبر، وما أسموه "وحدة الساحات"، تأتي في إطار سعي محور "الممانعة" إلى فرض أجندته الإقليمية والدولية.

في المقابل، رأى آخرون أن العملية تعكس خطأ جسيما في الحسابات الأمنية لقيادة حماس، إذ لم تدرك حجم الخسائر الكارثية التي ستلحق بها وبقطاع غزة نتيجة هذه العملية. ويتقاطع هذا التفسير مع ما صرح به القيادي في الحركة موسى أبو مرزوق، حين أقر بعدم توقعهم حجم الرد الإسرائيلي. وذهب فريق ثالث، في قراءة اتسمت بالسذاجة السياسية، إلى تفسير العملية باعتبارها محاولة لإنقاذ المسجد الأقصى وتحرير الأسرى، وهو ما تكرر في عدد من خطابات إسماعيل هنية وخالد مشعل، في سياق تبريري هدفه إقناع الجمهور بأن عملية السابع من أكتوبر كانت حتمية، وجاءت ردا على التغول الإسرائيلي.

غير أن هذه التفسيرات النظرية مجتمعة لم تعد كافية لفك لغز السابع من أكتوبر. فحركة حماس كانت تدرك جيدا أن الرد الإسرائيلي سيكون واسعا ومبالغا فيه، خاصة أنها خبرت ذلك سابقا عقب أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، حين دمر نحو 20% من البنية التحتية في قطاع غزة، واستشهد أكثر من ألفي فلسطيني، وخسر القطاع ما يقارب ملياري دولار من مقدراته.

ومن جهة أخرى، لا يمكن افتراض أن حركة حماس بلغت من السذاجة حد تنفيذ أجندات إيرانية أو غيرها دون احتساب دقيق لمصالحها السياسية، وفي مقدمتها الاستمرار في الحكم والحفاظ على سلطتها في القطاع. كما أن إيران نفسها تدرك أن تعزيز موقعها الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر أذرعها فقط، بل من خلال امتلاك قوة ذاتية مباشرة، وهو ما يفسر تركيزها على بناء قدراتها الاستراتيجية النووية. أما الخطاب الحمساوي المفعم بشعارات المقاومة وتحرير الأقصى والأسرى، كما ورد في خطاب محمد الضيف عند إعلان بدء "طوفان الأقصى"، فلا يمكن التعامل معه بوصفه برنامجا سياسيا واقعيا، بقدر ما هو خطاب تعبوي شعبوي يستهدف حشد الجماهير بعيدا عن منطق العقلانية السياسية وحسابات الكلفة والمنفعة.

ولا شك أن المتغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان لها أثر بالغ في فهم سلوك حماس وأهدافها من وراء عملية السابع من أكتوبر. فقد عقدت الحركة عدة لقاءات مع المبعوث الأميركي ويتكوف، وأسفرت هذه اللقاءات عما عرف باتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار. وقد اعتبرت حماس مجرد اجتماعها مع ويتكوف إنجازا سياسيا بحد ذاته، باعتبارها القوة الفعلية في قطاع غزة التي لا يمكن تجاوزها.

واللافت أن حماس وافقت على جميع بنود اتفاق شرم الشيخ العشرين دون أي تحفظ، إلى حد أن بشار بحبح، المقرب من الرئيس ترامب وأحد ممثليه في المفاوضات، عبر عن دهشته من هذه الموافقة الكاملة، مشيرا إلى أنه لو كان في موقع الحركة لما قبل بتلك الشروط. ويشير ذلك إلى أن حماس تبنت نصيحة ويتكوف القائلة بأن الرئيس ترامب قد ينظر في توسيع التعاون معها إذا ما أثبتت أنها لا تعرقل سياسته الإقليمية. وبناء عليه، طلب من حماس تقديم أقصى التنازلات الممكنة في المرحلة الراهنة، على أن تنتظر مكافأة سياسية لاحقة من إدارة ترامب.

وفي هذا السياق، يمكن فهم موافقة حماس على تبادل جميع الأسرى الإسرائيليين لديها ضمن صفقة وصفت بالهزيلة، على أمل أن يكافئها ترامب بقبولها شريكا في حكم غزة. ويعزز هذا الاستنتاج ما صرح به مؤخرا القيادي في الحركة خالد مشعل، حين دعا الرئيس ترامب إلى معاملة حماس بالطريقة ذاتها التي جرى بها التعامل مع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، معتبرا أن الحركة يمكن أن تكون "أداة" أميركية في المنطقة، وقادرة على الحفاظ على أمن إسرائيل والمستوطنات، وهو ما سبق أن ألمح إليه موسى أبو مرزوق.

وعند ربط هذه الدلالات السياسية ببعضها، يتضح أن الهدف الاستراتيجي لحركة حماس من وراء السابع من أكتوبر تمثل في السعي إلى الانتقال من محور "الممانعة" إلى محور الاعتدال ، بحيث تصبح الحركة مقبولة أميركيا وعربيا، بل وتؤدي دور أداة أميركية ليس في غزة فحسب، وإنما في الضفة الغربية أيضا. غير أن حماس خلصت، خلال السنة الأولى من الحرب، إلى قناعة بأن إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن غير مستعدة، ولا تملك الجرأة السياسية، لعقد أي تفاهم أو تحالف معها في ظل إصرار بنيامين نتنياهو على القضاء على الحركة.

في الواقع، كانت حماس تراهن أساسا على نتنياهو نفسه، الذي سهل لها سابقا تدفق مليارات الدولارات، وسمح بتوسيع هامش حركتها عبر معبر رفح، انطلاقا من قناعته بأن تقوية حماس تضعف السلطة الوطنية الفلسطينية وتعرقل قيام الدولة الفلسطينية. ومن هذا المنطلق، أقدمت حماس على عملية السابع من أكتوبر وهي تعتقد أن الرؤية الاستراتيجية لنتنياهو لن تتغير جذريا، وأنها ستتمكن عبر هذه العملية من الضغط عليه لقبولها طرفا فلسطينيا شرعيا يمكن التفاوض معه ببراغماتية، مقارنة بالسلطة الوطنية التي تشددت في مواقفها الرافضة لأي تسوية لا تلبي الحقوق الفلسطينية.

وبناء عليه، يمكن النظر إلى الطوفان باعتباره محاولة لـ"تحريك" العملية السياسية السلمية التي شعرت حماس بأنها مستبعدة منها، وسعيا لفرض الاعتراف بها ككيان سياسي يحكم قطاع غزة بمعزل عن منظمة التحرير الفلسطينية. غير أن مجريات الأحداث جاءت بعكس ما أرادت الحركة؛ إذ استغل نتنياهو العملية لتدمير قطاع غزة بصورة شبه كاملة، وانتقل من سياسة دعم بقاء حماس إلى تبني مشاريع تهجير الفلسطينيين و"صوملة" القطاع. كما أن إدارة بايدن امتنعت عن ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، بخلاف ما أبدته إدارة ترامب من مرونة نسبية، الأمر الذي دفع حماس إلى الاعتقاد بإمكانية استمالة ترامب، وتقديم نفسها حليفا يخدم المصالح الأميركية في المنطقة، بعيدا عن إسرائيل وبعيدا عن السلطة الوطنية الفلسطينية.