مقولات التحرر الوطني والصراع الفلسطيني الاسرائيلي
باسم برهوم

ونحن في مقتبل العمر، عندما انخرطنا في الثورة الفلسطينية وبدأنا نقرأ عن الحرب الشعبية طويلة الأمد. ومن بين ما قرأناه ان لكل حركة تحرر خصوصيتها. فلا يمكن نقل تجارب الآخرين وكأنها قوانين الطبيعة. وانه فقط يمكن الاستفادة من دروس وعبر هذه التجارب، ومع مضي الوقت اكتشفنا أن المسألة الفلسطينية أكثر تعقيدا، فالصراع الفلسطيني الصهيوني الإسرائيلي، وما يحيط به من ظروف، يكاد لا يماثله اي صراع آخر.
هذه المقدمة ضرورية لكثرة ما نسمعه من مقارنات بين واقع حركة التحرر الوطني الفلسطيني والحركات والشعوب الأخرى التي واجهت الاستعمار، ولكثرة محاولات اسقاط أساليب وقواعد العمل المقاوم من التجارب الأخرى على الواقع الفلسطيني بشكل أوتوماتيكي، فخلال حرب السنتين، حرب الإبادة الجماعية، في قطاع غزة دارت نقاشات حول حجم التضحيات، وإذا ما كانت ضرورية ان تكون بهذا الحجم، او انها قد تنتهي بدون تحقيق أي إنجاز حقيقي، وتكون والحالة هذه نكبة جديدة. البعض كان يستسهل إعطاء الجزائر كنموذج، ويجادل ان جبهة التحرير الجزائرية ما كانت لتصل بالشعب الجزائري للاستقلال بدون المليون شهيد.
أصحاب هذا الرأي يركزون على الرقم وكأنه قاعدة في كل النماذج، أو أنه يجب أن يقتل مئات آلاف الفلسطينيين كي يتحقق الاستقلال، دون أن يلتفت هؤلاء إلى أن تجارب التحرر الأخرى كان لها واقع وظروف مختلفة تماما عن ظروف الشعب الفلسطيني. والبعض الآخر ركز على أسلوب المقاومة المسلحة، كأسلوب وحيد، متجاهلين التجارب السلمية لمانديلا في جنوب إفريقيا وغاندي في الهند.
هناك حاجة ان نبدأ من سؤال: كيف يختلف واقع النضال الوطني الفلسطيني عن غيره من التجارب النضالية للشعوب؟
لنأخذ تجربتين تحرريتين كنماذج لإدراك الاختلاف، التجربة الجزائرية، والتجربة الفيتنامية، الأولى لا مجال لمقارنة ظروف الشعب الجزائري، الذي خضع للاستعمار الفرنسي مدة 132عاما، فهذا الشعب كان جميعه على أرض وطنه الواسع المترامي الأطراف، وفي السنوات الأخيرة من كفاح جبهة التحرير الجزائرية، كان الظرف المحيط الدولي والإقليمي أكثر ملاءمة، ويمكن الإشارة إلى أن كلًّا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، اللذين كانا مختلفين في كل شيء تقريبا، يرغبان في رحيل الفرنسيين عن هذا البلد الغني بالثروات.
كما لاقت الثورة الجزائرية دعما من كافة الدول العربية، سواء الدول التقدمية والثورية او المحافظة، ولم تكن قضية الجزائر محل نزاع عربي عربي، أو أن قضيتها شكلت ورقة للاستخدام. كما كان للثورة الجزائرية أنصار حقيقيون داخل فرنسا ذاتها، وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي، خصوصا بعد العام 1955 وهو الحزب الذي كان حجمه الانتخابي يفوق قليلا خُمس السكان.
اما فيتنام فقد كان الفيتناميون على أرض وطنهم، ويلقون الدعم المباشر من الاتحاد السوفييتي والصين رغم التناقض والصراع بين العملاقين الشيوعيين. فحدود فيتنام مفتوحة للإمدادات مع الصين، ولها ساحل طويل على البحر.
نأتي للحركة الوطنية الفلسطينية، وهنا لا نتحدث عن تلك التي كانت في فلسطين قبل العام 1948 فالشعب الفلسطيني كان شعبا صغيرا يواجه وحده بريطانيا القوة الأعظم في العالم، إنما نتحدث عن الثورة الفلسطينية الحديثة، والتي عادتها بعض الانظمة العربية، من لحظة تكونها، كما لم يكن للثورة الفلسطينية في أي وقت حليف حقيقي على الساحة الدولية، يدعم فعلا هزيمة إسرائيل. بل ان نصائح الاتحاد السوفييتي جميعها كانت تنصب على ان تقبل منظمة التحرير الفلسطينية قرار مجلس الامن الدولي 242، وان تعمل المنظمة من اجل تسوية تعيد للفلسطينيين الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب العام 1967، وذلك على ما يبدو لإدراك الاتحاد السوفييتي ان إزالة إسرائيل من الوجود هو امر غير ممكن بسبب الدعم الغربي الحاسم، كما أن الاتحاد السوفييتي لم يكن يسعى إلى ذلك، بسبب الحساسية المتعلقة بالمسألة اليهودية.
وإذا أخذنا طبيعة الصراع بحد ذاته فهو صراع معقد يدور على كل شيء تقريبا، الأرض والرواية وعلى التاريخ، كما لا ننسى أن فلسطين كلها بعد نكبة العام 1948 قد تم مسحها كليا عن الخريطة. في المقابل أصبح اكثر من نصف الشعب الفلسطيني خارج بلده، والدليل ان الثورة الفلسطينية بدأت نضالها من الخارج، وعندما انتفض الشعب الفلسطيني في الداخل، والمقصود هنا الانتفاضة الاولى العام 1987، استغرق الأمر اكثر من عقدين حتى يأتي هذا التطور المهم من الداخل، وكانت مهمة القيادة في حينه ان تستثمر هذا التطور الوطني التاريخي كي لا تذهب تضحيات الشعب الفلسطيني بلا اي انجاز سياسي، فجاءت أوسلو والتي هي في نهاية الامر نتاج لميزان قوى.
في حالة نضال الشعب الفلسطيني، هناك حقيقة من الصعب تنحيتها أو تجاهلها، وهي أن وجود إسرائيل وأمنها هو خط أحمر دولي، وهو خط تجمع عليه كافة الدول الكبرى، وان إسرائيل بالنسبة لبعضها كيان يمنع المس به جوهريا، فقد أدركت الدول العربية مبكرا هذه الحقيقة وبنت سياساتها انطلاقا من ذلك بالسر والعلن.
صحيح ان مقولات التحرر الوطني متشابهة، ولكن ليس بالضرورة أنها تلائم الخصوصية الفلسطينية. لا الحرب الشعبية طويلة الأمد هي السبيل الوحيد ولا المقاومة المسلحة هي الشكل الملائم دائما، بالرغم من أنها حق مشروع، إنما الثورة الشعبية السلمية المتواصلة ربما هي وحدها يمكن أن تقود إلى حل مقبول، بشرط ان تمتلك القدرة على الاستمرار لفترة معقولة، وبتخطيط محكم يلحق الضرر بالعدو أكثر ما يلحقه بالشعب الفلسطيني، المقاومة المسلحة حق مشروع ولكن ليست هي الحل في الواقع الفلسطيني، يمكن استخدامها على نطاق محدود ومحسوب جدا ولكن ليست هي الشكل النضالي الأنسب في واقع الشعب الفلسطيني كما أنها من غير الممكن أن تستمر من دون دعم حقيقي من الخارج. ومن أين يمكن أن يأتي هذا الدعم؟