محمود الريماوي
تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل، كانت فرصة سانحة وثمينة، أن أكون بين نفر من أهل الثقافة والفنون والآداب، في مكان لطيف حميم دافئ، لأستمع لحديث طيب رائق بصوت هادئ رخيم، للأديب محمود الريماوي (مواليد 1948) ابن بيت ريما، البلدة القريبة من مدينة رام الله، الذي صبغت المنافي حياته بصباغها الهجين، وظروفها المتقلبات، وأحلامها القريبة والبعيدة في آن، فقد استثمر محبوه زيارته، للاستماع إليه متحدثاً عن تجربته الأدبية الممتدة على مساحة زمنية نافت على خمسين سنة، فقد بدأ بنشر كتبه الأدبية (القصص القصيرة) في عام 1972 (العرب في صحراء ليلية )، وهي تجربة علوق بالأمكنة المتعددة التي عاش فيها (أريحا، عمان، بيروت، القاهرة، الكويت)، وبالأزمنة التي عرف تفاصيلها، وخبر وقائعها التي احتشدت بالمكاره والأحزان، لذلك تكررت حالات القطع والوصل بين مكان وآخر.
استهوته الصحافة، فأعطاها النصيب الأوفى من حياته، فأكرمته هي بالشهرة والحضور، والمكانة، لقد بكر في الذهاب إلى بيروت ليدرس في الجامعة، فكان أن شغل بالصحافة، تعرف إلى د. سهيل ادريس صاحب مجلة الآداب، ودار الآداب للنشر، وكان ينشر مقالاته وقصصه على صفحات المجلة، مجاورة لقصص مشاهير القصة القصيرة العربية في عقد السبعينيات من القرن العشرين، وهو العقد الذهبي للقصة القصيرة العربية في مصر والعراق وبلاد الشام، فأرسله الدكتور سهيل إدريس إلى الأديب غسان كنفاني، قال له: عندي أديب (بلدياتك)، نشرت له قصصه في الآداب، أرسلها إليك فاستفد منه في مجلة الهدف، أو في صحيفة الأنوار.
وهكذا كان، فذهب محمود الريماوي إلى غسان كنفاني، وعمل معه في مجلة الهدف، وصحيفة الأنوار في آن واحد، وظل على علاقة معه حتى حدوث فاجعة اغتياله في 8 تموز 1972، ثم سافر إلى الكويت، وعمل في صحافة جريدة (الوطن) كاتباً سياسياً، بعد أن حاز على خبرة إضافية في مجلة الهدف وصحيفة الأنوار.
يقول محمود الريماوي راوياً سيرته مع الصحافة، وبدايات تعلقه بها: كان أبي موظفاً، في وكالة الغوث الدولية، حين سكنا في اريحا، وفي عودته من الوظيفة، يعود وفي يده صحيفة، فكنت أول من يتصفح الجريدة، اقرأ صورها، وبعض كلمات من أسطرها، إذ لم أكن آنذاك، إلا في الصف الرابع الابتدائي، وكانت نظرات والدي، وأنا أفترش الصحيفة أمامي، واقرأ فيها، ملأى بالفرح، وابتسامة لطيفة تزين وجهه، كان ذلك التشجيع كافياً لأعشق الصحافة، وما زلت إلى يومي هذا، أعشق الصحافة، وما زال تعلقي بالأخبار يعادل تعلقي وشغفي بالآداب والفنون والثقافة عامة، وقد وفر لي عملي الصحفي معرفة أعتز بها حين التقيت بمشاهير الصحافة في بيروت، والكويت، والقاهرة، والأردن، علاقتي بـ غسان كنفاني كانت مميزة، وملأى بالمحبة والرضا والمؤانسة، كنت أجيء إلى مجلة الهدف في الظهيرة، فيقول لي غسان كنفاني مازحاً، ضيعت عليك صباحاً جميلاً آخر، فابتسم، وانخرط في العمل فيستغرقني إلى ساعات المساء، لم أعرف طوال سنتين من العمل مع غسان كنفاني، تدخلاً منه، كنت أحرر الصفحات الثقافية، كل ما له بالثقافة والآداب والفنون كان يحوله إلي، ولم أتلق منه ملاحظة على أسلوب عملي، ولم أره، رغم نشاطه الفوار، غاضباً في يوم من الأيام، كان يعاتب، لكن بلطف، يشبه لطف التفاتاته، وإشاراته، وأناقته غير المفرطة، وسلوكه الجامع لنا على طاولة تناول الطعام، أو شرب القهوة، كنت أراه ، إلى درجة كنت أحس فيها، أنه لا يغيب عن مكتبه، في ليل أو في نهار، وقد كان كثير الضيوف، وكثير الحديث إلى وكالات الأنباء، وباللغتين العربية والإنكليزية، مثلما كان جذاباً في استقطاب الآخرين من اهل السياسة والثقافة عرباً أو أجانب، وفي أغلب الأحيان كنت أرى مكتبه محتشداً بالخلق والأسئلة والحوارات، وروائح القهوة، مثلما كان محتشداً بدخان السجائر، وكنت أراه، في المساء عادة، ينفرد بالورق والأقلام ويكتب وحيداً، وهو يسند رأسه بكفه اليسرى فسألته مرة عما يفعله، وقد تأخر الوقت، فقال لي: أنا مأسور، تأسرني واحدة، وها أنا أطيعها، وكان يبتسم، كان يقصد أنه سلم نفسه لقصة من قصصه، بعض الأحيان كنت احس بأن الخلق الذين جاؤوا إلى الشارع الذي فيه مقر مجلة الهدف، قد اجتمعوا جميعاً في مكتب غسان كنفاني، وأنهم جميعاً يتحدثون، ويتناقشون، ويشربون القهوة، وغسان كنفاني يعطي تصريحاً صحفياً لجريدة ، أو وكالة أنباء؛ سنتان من الغنى، والدهشة، والحضور، عشت أحوالهما، مع غسان كنفاني الذي كنت أظن أنه في الستين من عمره وأزيد، وهو لم يزل في الثانية والثلاثين من عمره.
وفي التفاتة إلى بداياته الأدبية، قال محمود الريماوي، بدأت مناوشة الكتابة في صفحات القراء للصحف الفلسطينية (المنارة)، و(فلسطين)، و(الدفاع)، وتعرفت إلى أدباء فلسطين آنذاك، في عقد الستينيات من القرن العشرين: أمين شنار، وخليل السواحري، ومحمود شقير، ويحيى يخلف، وحاورتهم واستفدت كثيراً من ملاحظاتهم حول كتابتي، كان أقربهم إلي هو خليل السواحري الذي نقلني من كتابة الخواطر والوجدانيات إلى كتابة القصة القصيرة، وقد نجحت في حيازة رضا هؤلاء الأدباء، وكانوا جميعاً يشرفون على صفحات الأدب والثقافة والفنون في جميع الصحف الفلسطينية، وهذا كان سبباً لتعلقي بفن القصة القصيرة، أما كتابتي للرواية، فقد كتبت روايتين، هما (من يؤنس السيدة)، و(حلم حقيقي)، ولم أتقصد كتابة الرواية، لكن ما أردت كتابته كقصة قصيرة غلبني، فاتسعت كتابتي حتى غدت رواية، وقد قرظت الروايتين تقريظاً أرضاني.
وعن عمله في الصحافة، يقول محمود الريماوي، استلمت مسؤولية تحرير صفحات ثقافية عدة في صحف عدة، وكنت مطلعاً على المشاهد الثقافية العربية في الكويت، والقاهرة، وبيروت، وعمان، وقد ربطتني علاقات وشيجة مع أدباء هذه البلدان، لعلها كانت من أثمن ما اعتز به من صداقة ومحبة، على الرغم من الشغب الذي يطفو أحياناً طلباً للشهرة والنيافة.
وتحدث محمود الريماوي عن ضرورة الإيمان المطلق بالديموقراطية الثقافية من جهة، والديموقراطية الإبداعية من جهة أخرى، فلا كتابة، ولا تطاول، ولا ازدهار لثقافة وفنون من دون حرية، لهذا لم يتعصب يوماً لتيار أدبي بعينه، ولم يقف في اصطفاف ضد اصطفاف، كان مع القصيدة العمودية، وقصيدة النثر، وكان مع القصة الحافظة لقدسية الحدث والمؤمنة بحضور الشخصيات، مثلما كان مع القصة الميالة إلى الشعرية، والتجريد، وأنه لم يكره أسلوباً أدبياً، أو تجربة أدبية، لأنه كان على قناعة بأن التنوع هو الغنى، والازدهار، والجمال، فهو مع الحداثة بكل صورها الجمالية، ومع التجريب بكل محاولاته، لأن الفنون لا تتطور، ولا تتقدم من دون المغامرة، ولولا المغامرة لما عرف الإبداع فضيلة التراسل ما بين الآداب والفنون والاستفادات من التقنيات، والبؤر المضيئة في كل فن من الفنون، وكل جنس من أجناس الأدب. وبرأيه أن التعصب عماء، وبحث غير مجدٍ عن شرنقة مآلها الانغلاق والتحجر.
ساعة من حديث طيب وارف، وفني، ومثلها ساعة من الحوار والنقاش والتفاعل، جلت كل منهما وجوه اللقاء مع الأديب محمود الريماوي الذي تعد تجربته الأدبية واحدة من أهم التجارب القصصية الفلسطينية ( أكثر من خمس عشرة مجموعة قصصية مطبوعة، روايتان، سير تراجم عدة لأدباء راحلين) التي عرفها الأدب الفلسطيني خلال خمسين سنة من المعاناة، والركض العجول المضطرب، والتعب الجميل، دارت جميعها حول المعنى الفلسطيني الذي أوقف محمود الريماوي حياته وثقافته وجولانه عليه..ولأجله.