بؤر المزارع الاستيطانية.. ستار للسيطرة على الأرض
باسم برهوم

منذ السابع من أكتوبر، وخلال حرب العامين، يلاحظ من يتنقلون يوميا بين مناطق الضفة من المواطنين الفلسطينيين التزايد الملموس في ظاهرة المستوطن الراعي (المزارع)، والذي معه في العادة بقرة أو اثنتان، أو قطيع صغير من الماعز يسيطر على منطقة واسعة ويعتبرها مجاله الحيوي، وهي بالأصل أراضي مزارعين فلسطينيين حقيقيين وليسوا مزورين.
هؤلاء المستوطنون "الرعاة"، والذين يأخذون مظهرا توراتيا ليوحوا أنهم كانوا هنا من قديم الزمان، وأنهم جزء من المنطقة وباتوا منتشرين على مناطق شاسعة من أراضي الضفة، وهم موزعون بشكل منظم وليس فيه شيء من العشوائية والتلقائقية، ويكون في كل منطقة واحد أو اثنان على الأغلب، مسلحين وجيش الاحتلال موجود دائما لحمايتهم.
في الحالات الكثيرة التي يذهب فيها المزارعون الفلسطينيون لتفقد أراضيهم، أو يقطفون زيتونهم أو يحرثون أرضهم، يصطدمون مع هؤلاء المستوطنين "الرعاة" ويحصل الاشتباك ويتدخل جيش الاحتلال لصالحهم، وغالبا يبقى هذا المستوطن المستعمر ويعود الفلسطينيون إلى بيوتهم تحت الضغط.
إنها خطة من نوع جديد للسيطرة على الأرض، أو فرض واقع يتقاسم به الشعب الفلسطيني أرضه، والتي هي ملكه، مع المستوطنين بالرغم عن إرادته، واذا ما أضفنا البؤر الاستيطانية من الأنواع الأخرى والمستوطنات التقليدية فإننا نلاحظ أن 70 بالمئة من مجموع الأرض أصبحت تحت سيطرة الاحتلال، وأن الدائرة تضيق على القرى والمدن الفلسطينية.
ولو نظرنا للمناطق التي احتلها هؤلاء "الرعاة"، سنجد أنها في أطراف القرى، والمناطق التي كان يسكنها الفلسطينيون البدو في المناطق التي تم إخلاؤهم منها بالقوة، في المناطق الممتدة على السفوح الشرقية وحتى الأغوار، وفي الأغوار ذاتها وبشك مكثف.
ومجمل ما بات يسيطر عليه المستوطنون "الرعاة"، يمكن أن يصل ببساطة من 7 إلى 8 بالمئة من مساحة الضفة وربما أكثر قليلا.
ومنذ العام 2024، وبالتحديد منذ تعيين آفي بلوط قائدا للمنطقة الوسطى في جيش الاحتلال لم تعد ظاهرة بؤر المزارع الاستيطانية ظاهرة تتم بدون التنسيق المسبق مع الجيش، بل هي عمل مقصود يقوم به الجيش ويعمل على حمايتها، وهو ما يؤكد مدى تأثير سموتريتش والصهيونية الدينية المتطرفة داخل الجيش وفي المؤسسة الامنية عموما.
ويمكن اعتبار الظاهر مكملة لظاهرة إرهاب المستوطنين، بل كلا الظاهرتين لهما الهدف نفسه، وفي المجمل لهما نفس هدف الاستيطان وهو السيطرة على الأرض ومنع أصحابها الفعليين من الوصول إليها أو الاستفادة منها، ومع مرور الوقت تتقلص مساحة الأرض التي يتصرف بها الفلسطينيون وتتوسع مساحة الاحتلال.
من يرى المستوطنين "الرعاة" بأم عينيه وكيف صمم مظهرهم التوراتي يكتشف مدى التزوير بالفكرة الصهيونية كلها، فالغريب عن المنطقة إذا رآهم بالتاكيد قد يخدع ويعتقد أنهم جزء من المشهد الطبيعي، أو أنهم منسيون من زمن الأسطورة في المكان، لكن في الواقع هم مزيفون لأن ليس في إسرائيل منذ تأسيسها ظاهرة "الرعاة" على الطريقة الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني هو المنسجم مع تاريخ وتطور المنطقة وواقعها، أما الراعي المستوطن في فيلم سينمائي تريد إسرائيل أن تصوره بأنه واقع.
مواجهة واقع التزوير يتطلب دعما للمزارعين الفلسطينيين من كل المجتمع الفلسطيني، ومشاركتهم إصرارهم على التوجه إلى أرضهم وفلاحتها وزراعتها وتنميتها، وعدم السماح لهؤلاء "الرعاة" المستوطنين بالاستفراد بالأرض والإقامة فيها. وهذه المواجهة لا يمكن أن تكون ردات فعل أو هبات عفوية، وإنما عمل منظم كما هو عملهم منظم ومنهجي ومحدد الهدف. وإذا أردنا مقاومة شعبية سلمية، فالصمود ومتابعة المواجهة المنظمة هو الأسلوب الأكثر فاعلية، فالمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي لن تتوقف حتى ينتهي.