حال غزة بعد الطوفان والإبادة وحال فلسطين
باسم برهوم

بعد مقتل ياسر أبو شباب -وهو الحدث الذي شغل وسائل الإعلام- يبرز السؤال حول الحال الذي وصل إليه قطاع غزة والحال الذي وصلت إليه فلسطين والقضية الفلسطينية؟
طوال الفترة الماضية كان التركيز ينصب على حرب الإبادة الجماعية، وما لحق بالشعب الفلسطيني خلالها من خسائر بشرية هائلة، وما جرى من تدمير شامل في كل شيء، المباني، والاقتصاد، والحياة الاجتماعية الطبيعية والبيئة، ولكن اليوم، وما يجب التركيز عليه هو الواقع الذي أخذ بالتشكل في قطاع غزة على الأرض.
فبعد أن كنا نعاني من مسألة فصل القطاع عن الضفة، باعتباره أمرا خطيرا يمنع قيام الدولة الفلسطينية، فإننا اليوم نتحدث عن تقسيم القطاع ذاته إلى منطقتين تنشأ فيهما بيئة وظروف مختلفة. المنطقة الأولى تحتلها إسرائيل، وهي الأكبر (55 بالمئة من القطاع) يمارس فيها جيش الاحتلال عملية نسف للمباني وتغيير كامل للشكل الجغرافي القديم، ويؤسس فيها ميليشيا محلية تأتمر بأوامره، وقد يستخدمها لإشعال حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس وتقود لتهجير السكان.
قبل السابع من أكتوبر 2023 لم يكن يخطر ببال أحد كل ما حصل، بأن تصبح أراضي الدولة الفلسطينية وقد تحولت إلى قطع منفصلة بعضها عن بعض، وتنشأ فيها بيئات حياة وأنماط سياسية وأمنية مختلفة، ولكن من المهم الإشارة إلى أن جذر كل المصائب هو الاحتلال الإسرائيلي، ولكن ما حصل لغزة في السنوات الأخيرة ما كان ليحصل لولا انقلاب حماس على الشرعية الوطنية في قطاع غزة في حزيران/ يونيو العام 2007، فمنذ ذلك التاريخ بدأت الكوارث تحط على رأس الغزيين خصوصا، والفلسطينيين عموما، وعلى القضية الفلسطينية برمتها، التي وصلت إلى لحظة حرجة للغاية.
وما يجري في الضفة منذ السابع من أكتوبر هو كارثة سياسية، وان وجود ألف حاجز عسكري، بالإضافة إلى مئات البوابات الحديدية، إنما يضعف التواصل بين أجزاء الضفة، ويضعف السلطة الوطنية في ممارسة السيادة، بالإضافة إلى ما حصل في كل من مخيمات جنين وطولكرم ونورشمس من تدمير وتهجير.
هناك خطر حقيقي أن تتطور المنطقة التي تحتلها إسرائيل من قطاع غزة ويعاد بناؤها بما يتفق والمصالح الإسرائيلية، ويكون لها نظام أمني مختلف، وفي المقابل تتأخر عملية البناء في المنطقة التي تسيطر عليها حماس، ويتعمق البؤس والفقر والتشرد، وتغيب فرص العمل. وبدون تعليم، أو خدمات صحية كافية وتصبح البيئة جاهزة للهجرة.
السؤال: كيف نواجه هذا الواقع المعقد؟
هناك مسؤولية تقع على عاتق حماس، بأن تدرك أن عليها أن تبادر للإعلان بأن السلطة الوطنية الفلسطينية هي صاحبة الولاية على قطاع غزة، وتؤكد أنها يمكن تسلم سلاحها للسلطة، وبذلك تسحب كل الذرائع من تحت أقدام إسرائيل وتجبرها على الانسحاب من القطاع.
فمعادلة سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد هي الحل لإعادة الحياة للنظام السياسي الفلسطيني، ومن ثم يصبح هناك واقع يدفع باتجاه حل الدولتين. وهناك مسؤولية عربية، بأن تصر الدول العربية مجتمعة على أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي صاحبة الولاية على قطاع غزة، وأن تتوقف بعض الدول العربية عن دعمها للانقسام وانفصال في قطاع غزة.
ومن جهتها، السلطة الوطنية مطالبة بأن تواصل الإصلاحات التي اتفقت مع المجتمع الدولي بشأنها والإصلاح هو ضرورة ومصلحة وطنية قبل أن تكون شروطا خارجية وتتضمن إعادة توحيد وبناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية عبر إجراء انتخابات منتظمة ودورية، نحن بحاجة إلى إنهاء كافة المظاهر السلبية مثل أخد القانون باليد واستغلال السلطة، وإنهاء المظاهر العشائرية بمعنى نحن بحاحة لتكريس مبدأ احترام القانون والنظام وفي المقدمة أن يكون لنا سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد وتداول سلمي للسلطة وقانون أحزاب يمنع التمويل الخارجي بكل أشكاله.
في خطة الرئيس ترمب، التي تحولت إلى قرار لمجلس الأمن الدولي فيها بعض البنود التي يمكن البناء عليها، برغم ما يكتنفها من غموض ونقص في التعبير عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ولكن إذا ما أردنا أن نستثمر بالبنود المعقولة، فالمسؤولية تقع على عاتقنا أولا، من جهة حماس أن تعلن أن السلطة الوطنية هي صاحبة الولاية، وأنها تدعم أن يكون للشعب الفلسطيني سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، ومن جانبها السلطة أن تواصل الإصلاحات وتعد للانتخابات.
فإذا نجحنا في تحقيق ذلك فلسطينيين وعربا سنجد من يدعمنا في المجتمع الدولي، كما سيميل ترمب ذاته إلى البنود الأكثر إيجابية في مبادرته.