الرفاهية في غزة.. شاشات لامعة فوق ركام المدينة ووهم الحياة الطبيعية
مريم شومان

بين ركام المنازل المهدّمة، وأصوات الأطفال الباحثين عن لقمة العيش في مدينة أنهكها الحصار، تلمع واجهات المحال التجارية في غزة بشاشات جديدة وأجهزة ذكية متطورة مثل (آيفون 17 بروماكس) بلونه البرتقالي الجذاب، وسامسونج(S 25)، وكأنها تحاول أن تعكس حياةً عصرية وسط واقع ينهشه الفقر والجوع والدمار.
هذا المشهد الغريب؛ التدفّق غير المسبوق للأجهزة الذكية في وقت يُمنع فيه دخول البيض واللحوم والخيام والمواد الأساسية، يطرح تساؤلات عميقة حول أهداف سلطات الاحتلال من وراء هذه "الرفاهية المفاجئة" في قطاع بالكاد يستطيع سكانه تأمين احتياجاتهم اليومية. من يراقب الأسواق في غزة اليوم، يلحظ أن الأجهزة الذكية باتت أكثر توفّرًا من السلع الأساسية، شبانٌ يتهافتون على شراء آخر إصدارات الهواتف، في حين تعجز عائلاتهم عن شراء علبة حليب لأطفالهم، أو خيمة تمنع عنهم غزارة الأمطار ولو قليلا. هذه المفارقة المؤلمة تختصر المشهد كله؛ رفاهية مصطنعة تغطي على واقع إنسانيٍّ قاسٍ، وتكنولوجيا تحاول التخفيف من صورة الخراب دون أن تمسّ جوهر الأزمة.
وراء هذا الانفتاح في سوق التكنولوجيا، تقف أبعاد سياسية وأمنية واضحة، فالإغراق بالأجهزة الحديثة لا يمكن فصله عن منظومة المراقبة التي يسعى الاحتلال لترسيخها في غزة، فالأجهزة الذكية مهما بدت مغرية قد تكون أداة جديدة للسيطرة الرقمية وجمع البيانات خصوصا في ظل التطور الكبير في تقنيات التتبع والتجسس.
إنها قوة ناعمة تُمارَس في سياق "حصار صلب" حيث تتحول الشاشة إلى نافذة مراقبة، والهاتف إلى بوابة للهيمنة.
لكن ما هو أخطر من البعد الأمني هو البعد الدعائي والإعلامي، فحين تُغرق الأسواق بالمنتجات التكنولوجية، يمكن للعالم الخارجي أن يظن أن غزة قد تعافت، وأن الحياة فيها عادت إلى طبيعتها، تلك الصورة التي يسعى الاحتلال لتسويقها بعد وقف إطلاق النار تخدم روايته السياسية والإعلامية، وتقدم للعالم مشهدًا مشوّهًا عن "الاستقرار" بينما الواقع مختلف تماما.
خلف كل شاشة مضيئة، هناك بيت مهدّم، ووراء كل إعلان عن هاتف جديد هناك طفل فَقَدَ عائلته، والرفاهية هنا ليست سوى قناع يغطي جراحًا مفتوحة.
إنّ إدخال الأجهزة الذكية بهذا الحجم إلى قطاع يعيش تحت الحصار لا يمكن أن يُقرأ بوصفه انفتاحًا اقتصاديًا أو تحسنًا في الحياة اليومية، بل هو جزء من سياسة ممنهجة لتطبيع الألم وتجميل الحصار، إنها محاولة لصناعة واقع "افتراضي" يُشعر المواطنين في غزة بأنهم يعيشون في زمن الرفاه، بينما لا يجدون مقومات العيش الحقيقي.
أمام هذا المشهد، تبدو "الرفاهية الزائفة" أخطر من القصف ذاته، فهي لا تدمّر الحجر، بل تخدّر الوعي وتشوّه الصورة، إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع محاصر هو أن يقنع نفسه بأن "الحياة تمضي بشكل طبيعي"، بينما الحصار يضيق أكثر والمأساة تتعمق يوما بعد يوم.
لكن؛ غزة –رغم الركام والحرمان- ستبقى عصية على التزييف، فبريق الشاشات لا يمكنه أن يحجب دمعة أمّ فقدت أبناءها، ولا يمكن للتكنولوجيا أن تعيد إنسانًا إلى بيته المهدّم. الرفاهية الحقيقية التي يبحث عنها الغزيون ليست في هاتف ذكي أو تطبيق جديد، بل في حياة كريمة خالية من الاحتلال والحصار، حيث الحفاظ على أرواح أبنائه، حيث تعود الكهرباء والماء والكرامة والحياة، لا الإعلانات والعروض على أحدث الأجهزة.