الفلسطينيون ضحية التطورات البعيدة والقريبة
باسم برهوم

كيف بدأنا وكيف انتهينا؟ ولماذا جرى لنا كل الذي جرى؟ لماذا تحررت واستقلت كل الشعوب إلا نحن؟ أسئلة قاسية صعبة، محملة بالمرارة والتعب النفسي وغياب الافق الحقيقي، انه أمر محير أن نبدأ مع وعد بلفور عام 1917، ومع الانتداب البريطاني، الذي اعتمدته عصبة الأمم رسميا عام 1922، وبعد اكثر من قرن من الكفاح الوطني الفلسطيني ان ينتهي بنا الأمر لقرار من مجلس الامن الدولي قد يتحول الى شكل من اشكال الوصاية مجددا، بالفعل انه أمر محير ويطرح الكثير من الأسئلة، من أبرزها: هل المشكلة بالشعب الفلسطيني وقياداته وحركته الوطنية، أم اننا ضحية مخطط دولي محكم لا تزال مفاعيله قوية ومتماسكة، لذلك لم يكن بمقدور الشعب الفلسطيني ان يغير الكثير من مصيره؟
هناك حقائق تاريخية ثابتة لا تزال هي الأساس لكل ما جرى ويجرى للشعب الفلسطيني، ولا يمكنه التحكم بها.
اولى الحقائق، ان الفكر الصهيوني هو بالأساس مكون ثقافي وديني لأوساط واسعة في اوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي لا يمثل تبني المشروع الصهوني اشكالية او شيئا غير اعتيادي للغرب.
الحقيقية الثانية، ان الشعب الفلسطيني دفع عمليا ثمن تاريخ ليس تاريخه، فاللاسامية واضطهاد اليهود هو ظاهرة أوروبية، خاصة في وسط وشرق أوروبا، وهناك عمليا نشأت الصهيونية اليهودية السياسية، واختارت فلسطين لتصبح دولة يهودية.
الحقيقية الثالثة: ان الإمبراطورية البريطانية، التي كانت القوى الأعظم، خصوصا بعد الحرب العالمية الأولى، تبنت المشروع الصهيوني من خلال وعد بلفور والتزمت بإنشاء الوطن القومي اليهودي، وكان شرط انتدابها لفلسطين (صك الانتداب)، ان تأسس الوطن القومي اليهودي، وبالفعل، ما ان انتهى عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، كان الوطن القومي قد تشكل وأصبح واقعا على الأرض.
الحقيقة الرابعة، ان المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي قد تبنيا إقامة الدولة اليهودية، ودعما قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة رقم (181) عام 1947، وكانت الدولتان من اوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، صحيح ان الدعم السوفييتي قد توقف لاحقا ولكن كانت إسرائيل قد تأسست على انفاض فلسطين والشعب الفلسطيني، بل واختفت فلسطين تماما عن الخريطة.
الحقيقية الخامسة، ان الولايات المتحدة الأميركية، القوة الأعظم في العالم تتبنى المشروع الصهيوني، وتعتبر أمن إسرائيل، او المس بها جوهريا هو مس بالولايات المتحدة .
الحقيقة السادسة، ان اليهود يمثلون وزنا ماليا كبيرا في الاقتصاد العالمي، كما ان الصهيونية تملك من ادوات الضغط والتأثير ربما لا يوازيها أي مكون سياسي اخر في العالم. فاللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وغيرها من الدول يتمتع بنفوذ كبير.
ومقابل الحقائق سالفة الذكر، التي اوصلت الشعب الفلسطيني إلى ما وصل اليه، (من الانتداب للوصاية) وهي حقائق تميزت بها القضية الفلسطينية التحررية عن القضايا التحررية الأخرى، التي كانت اقل تعقيدا بما لا يقاس.
هناك معطيات وحقائق تتعلق بالشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، وهي كالتالي:
اولا: عندما استهدفه المشروع الصهيوني المدعوم إمبرياليا، كان الشعب الفلسطيني شعبا صغيرا فقيرا، غير مندمج ولا بأي شكل بالسياسة الدولية، كما هو حال اليهود، وفلسطين بلد صغير بلا موارد.
ثانيا: حركة الشعب الفلسطيني والوطنية، عندما نشأن في مطلع العشرينيات من القرن الماضي. تأسست على أساس عائلي وعشائري إقطاعي، ولم تتأسس من احزاب سياسية، او على أسس سياسية وفكرية.
ثالثا: ساد هذه الحركة الانقسام من البدايات وكان في الغالب نتيجة لتنافس عائلتي ، وكانت بريطانيا والحركة الصهيونية، ولاحقا بعض الأنظمة العربية، تغذي الانقسامات وتلعب على حبالها.
رابعا: لم يملك الشعب الفلسطيني ولا حركته الوطنية حليفا حقيقيا من الدول الكبرى، لا قبل نكبة العام 1948، ولا بعدها، وإنما كان يتمتع بصداقة دول .
خامسا: افتقر الشعب الفلسطيني والحركة الوطنية بشكل عام للمارسة الديمقراطية والنقدية الجادة داخليا، فساهم غياب تقييم التجارب الى تكرار الأخطاء مرة تلو الأخرى.
سادسا: في العقود الثلاثة الأخيرة، وبالتحديد بعد اتفاقيات أوسلو، فإن ظهور حماس في المشهد الوطني، وسيطرتها لاحقا على قطاع غزة، وعلى قراره، كان له أكبر الأثر السلبي مما اوصلنا للوصاية الاخيرة، وخصوصا بعد السابع من أكتوبر عام 2023.
سابعا: السلطة الوطنية ذاتها، لم تكن حازمة بما يكفي لأن يكون لدينا قانون واحد وسلطة واحدة وسلاح واحد، كما لم تكن حازمة بما يكفي في استعادة قطاع غزة، وانهاء حكم حماس الذي لم يجلب للشعب الفلسطيني إلا الويلات.
اما بما يتعلق بالعامل العربي، الذي يحتاج مقالا منفصلا، ولكن يمكن اختصاره كالتالي: جيوش الأنظمة العربية خسرت حربين في فلسطين، الحرب الأولى الأعوام 1948 و1949، والحرب الثانية العام 1967 وفي هاتين الحربين ضاعت فلسطين بالكامل، ولم تعد موجودة على خريطة الشرق الأوسط، والمسألة الاخرى بما يتعلق بالعامل العربي، هي تدخلات عدد من الدول العربية بالحالة الوطنية الفلسطينية كانت في الغالب تدخلات تجري بشكل سلبي ومغذٍ للانقسامات، إضافة إلى استخدام اكثر من نظام عربي، وفي مراحل مختلفة، القضية الفلسطينية ورقة خدمة لاجنداتها الخاصة وخدمة مصالحها، وينطبق الأمر على دول إقليمية، وبالتحديد إيران.
مقال واحد لا وحتى عدد اكثر من المقالات يمكن ان يعطي هذا الموضع المعقد حقه، ولكن يمكن ان يشكل للقارئ مدخلا للمتابعة، ولكن مجموع العوامل سابقة الذكر كانت سببا لهذه الدورة الظالمة من الانتداب إلى النكبة إلى الاحتلال وحرب إبادة جماعية.