إسرائيل تمارس إرهاب الدولة في الضفة
باسم برهوم

من يتابع عمليات جيش الاحتلال في شمال الضفة، شمال الدولة الفلسطينية، يجد أنه لا مبرر أمنيا لها، وإنما هدفه إرهاب المواطنين الفلسطينيين وإذلالهم، وتدمير اقتصادهم، وجعل حياتهم لا تطاق، وخلال ذلك يسيطر المستوطنون على الهضاب ومناطق واسعة ويفرضون فيها أمر واقع عبر الإرهاب والبلطجة.
وإذا ما أخذنا بالاعتبار مخطط نتنياهو وسموتريتش لتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، عبر محاصرتها ماليا، ومنعها من ممارسة سيادتها على الأرض والشعب، فإن الهدف الإسرائيلي يصبح واضحا وهو تهيئة كل الظروف لضم الضفة كلها أو الأجزاء غير المأهولة بالسكان، والتي تعادل أكثر من 70 بالمئة من الضفة، فما يحدث ليس مجرد إرهاب مستوطنين وإنما إرهاب دولة، إرهاب حكومة متطرفة وفاشية.
وبالتأكيد هناك أهداف تدخل في نطاق الأهداف غير المرئية، أو التي قد لا تثير انتباه الرأي العام العالمي، ولا تلفت نظر وسائل الإعلام مباشرة، وهي هجرة الشباب الفلسطيني، وخاصة المتعلمين والمهرة منهم، فعندما يدمر الاقتصاد، وتقوض المؤسسات ويحرم الناس من أرضهم ومصادر رزقهم، فإن البحث عن فرص عمل في أصقاع العالم يصبح هدفا للشابات والشباب الفلسطيني، وعندما يهجر الشباب مجتمعهم، فلا مستقبل لهذا المجتمع.
وإذا أدركنا هدف إسرائيل وحكومتها، فما هي وسائل المواجهة والصمود، خصوصا أن السلطة الوطنية التي من المفترض أنها تقود وتحمل راية الصمود، هي ذاتها مستهدفة بالتقويض والإضعاف والحصار، وبالكاد تسير أمور حياة المواطنين في الصحة والتعليم والخدمات العامة، كما أنها مضطرة للدفاع عن وجودها.
أما القطاع الخاص، ومع التدمير الممنهح للاقتصاد، فإنه بالكاد يصمد هو ذاته ويحافظ على نموه ووجوده. وما دامت أهداف إسرائيل بادية للعيان، والواقع الفلسطيني هو أيضا واضح وملموس من قبل الجميع، فالسؤال: ما العمل؟ وماذا يمكن أن نقوم به كي نغير المعادلة الصعبة الذي تعمل إسرائيل على فرضها علينا؟
والسؤال يصبح أكثر صعوبة عندما نأخذ الواقع الأوسع للشعب الفلسطيني، والمقصود هنا واقع قطاع غزة الذي لا أمل بأن يعاد بناؤه بالسرعة المطلوبة.
لنكن واضحين وصريحين مع أنفسنا.. إن عملية الإنقاذ لا يمكن أن نقوم بها وحدنا، فنحن بحاجة للدول العربية، والأصدقاء في العالم، وخصوصا أولئك الذي اعترفوا بالدولة الفلسطينية، ولا يزالون يؤمنون بحل الدولتين باعتباره الحل الأنسب الذي يجلب الأمن والاستقرار للشرق الأوسط.
صحيح أن كل شيء يبدأ من الجهد الفلسطيني الذاتي، ومن قدرة الشعب الفلسطيني على ابتكار وسائل صموده، وأن يكون مقنعا في أدائه، ولكن قبل كل شيء لا بد من حل مشكلة اسمها حماس، والتي تصر على انتمائها للخارج، وبالتحديد لمحور جماعة الإخوان وحلفائها الإقليميين. والسؤال هنا: هل من الممكن تغير مسلك حماس؟ هل بالإمكان تغير هوية حماس الإخوانية؟ الجواب لا، لا يمكن.. إذا ما العمل؟
ومن البديهي أن الانقسام، وفصل قطاع غزة ما كان ليستمر كل هذا الوقت لو لم يجد هذا الانقسام والفصل من يغذيه من بعض الدول العربية. وبغض النظر عن العوامل الخارجية، فإن الإصلاحات هي حاجة وطنية فلسطينية، وإعادة العجلة للنظام السياسي الفلسطيني عبر الانتخابات هي أيضا مصلحة وطنية، لا يمكن أن نلوم ونوجه سهامنا لغيرنا ما دمنا لم نتحرك لإصلاح أنفسنا، وهنا نعود لسؤال حماس: ما الذي يجب أن نفعله مع حماس والتي هي جزء من تنظيم دولي، وهي جزء من مصالحه وخياراته وأجنداته؟
في معظم الدول العربية تم حظر جماعة الإخوان المسلمين، في مصر والأردن، ودول الخليج وتونس، أما في فلسطين الوضع مختلف، خصوصا أن هناك احتلالا إسرائيليا، لا يمكن إقصاء أي طرف، ولكن يمكن أن يكون لدينا قانون أحزاب يفرض على كل حزب أو فصيل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا، ويلتزم بما التزمت به، بالإضافة إلى تقديم مصادر تمويله للجنة الانتخابات، فمن يثبت أنه يمول من جهة خارجية يمنع من الدخول في الانتخابات. هناك حاجة لفرض المعادلة السحرية التي تنهي كل أشكال الأزمات، والمعادلة هي سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد بيد أجهزة الأمن الشرعية.
وبالضرورة أن يكون هناك اتفاق وطني على شكل المقاومة للاحتلال، وألا يكون لدينا مقاومتان، واحدة وطنية وأخرى تسمى اسلامية، للشعب الفلسطيني مقاومة واحدة هي المقاومة الوطنية. وبما أنه قد تم التوافق أكثر من مرة، فإن المقاومة الشعبية السلمية، والعمل السياسي والدبلوماسي هو شكل المقاومة، فيبقى المطلوب أن نمتلك برنامجا وخطة للقيام بذلك، وألا نتركها لردات الفعل والعفوية والفوضى، بمعنى أن ندرك متى نصعد ومتى نتراجع، وأين نصعّد، وأين نخفف التوتر بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني أولا، وليس خدمة لأي طرف خارجي.
لقد أثبتت تجربة العقدين الأخيرين، خاصة في العامين المنصرمين، أن تجربة المقاومة الإسلاموية، ومحور المقاومة قد فشلت، وأنها جرّت الويلات لفلسطين والمنطقة. فإسرائيل توسعت بدل أن تنحسر، فهي اليوم تحتل 55 بالمئة من قطاع غزة، وتحاصر القسم الآخر وتقصفه يوميا، وتوسعت في جنوب لبنان وفي كل صباح تغتال كوادر حزب الله وقيادته، وتسيطر على كل أجواء لبنان، كما أن إسرائيل باتت اليوم تحتل قمة جبل الشيخ، ومساحات من جنوب سوريا، ولا تبعد عن دمشق سوى 35 كيلو مترا.
هناك حاجة لتغيير المعادلة ولكن أي تغيير بالضرورة أن يبدأ من الاعتراف بالأخطاء، ومن القدرة على تقييم التجارب، وليس الهروب منها إلى الأمام بطرق شعبوية.