قانون لحماية المعلومات والوثائق السرية لردع "إفشاء الأسرار"
سؤال عالماشي- موفق مطر

المعلومات والوثائق السرية ملك للدولة فقط، ومقيدة بقانون يحدد زمن وضعها طي الكتمان وكذلك نشرها للعموم، وفقا للمصالح الوطنية العليا، وهذا حق للدولة لا يتعارض مطلقا مع الحريات وقيم الديمقراطية، فالوثيقة أو المعلومة السرية يجب حفظها حتى لو تعارضت مع الرأي والموقف الشخصي، لأي موظف مرت عليه أو وصلته بحكم موقعه أو منصبه، أو مهمته المكلف بها أثناء خدمته، وتبقى كذلك كأمانة في ذاكرته، لأنه لا يحق له الاحتفاظ بوثائقها بأنواعها كافة، المطبوعة والمصورة والمسموعة، حتى بعد انتهاء أو انهاء خدمته، إلى أن تقرر الدولة وفقا لنصوص القانون التصريح بالحديث عنها.
وللأسف لم نجد بعد بحث دقيق قانونا خاصا يضبط هذا الأمر الحساس، لأهميته البالغة في حفظ أمن الدولة، وضمان عدم استغلال المعلومة والوثيقة السرية لتحقيق أغراض شخصية، انتقامية، أو تخريبية مقصودة، أو لتحقيق مكاسب مادية عبر بيعها لوسائل اعلام خاصة أو تلك التي تتبع اجهزة استخبارية، أو في الحد الأدنى منح الذات قيمة ما عبر كشفها في غير الهيئات القانونية، المحددة بالقوانين ايضا.
لكننا وجدنا ضالتنا في المادة 355 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 المعمول به حتى الآن لدى السلطة الوطنية الفلسطينية، رغم التعديلات العديدة عليه منذ العام 2014 حتى 2022، حيث تنص المادة المذكورة تحت عنوان (افشاء الأسرار) على التالي: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات كل من:
1- حصل بحكم وظيفته أو مركزه الرسمي على أسرار رسمية وأباح هذه الأسرار لمن ليس له صلاحية الاطلاع عليها أو إلى من لا تتطلب طبيعة وظيفته ذلك الاطلاع وفقاً للمصلحة العامة.
2- كان يقوم بوظيفة رسمية أو خدمة حكومية واستبقى بحيازته وثائق سرية أو رسوما أو مخططات أو نماذج أو نسخا منها دون أن يكون له حق الاحتفاظ بها أو دون أن تقضي ذلك طبيعة وظيفته.
3- كان بحكم مهنته على علم بسر وأفشاه دون سبب مشروع.
والى أن يحين موعد اصدار قانون خاص، ورغم نصوص القانون السابق ذكره وشرعية انفاذها وتطبيقها، ورغم أداء الموظف للقسم قبل تولي مهام الخدمة الرسمية، إلا أننا نعتقد بحاجة سلطة الدولة – باعتبارها الأمين على مصالح الشعب العليا - لأخذ تعهد مكتوب بتحمل المسؤولية وتبعاتها القانونية عن افشاء اسرار اثناء فترة الخدمة وبعد انتهائها، بخلاف محددات القانون، ولكن ليس قبل إعلامه مباشرة وبنص مكتوب، ماهية المعلومات والوثائق السرية، وكيفية الحفاظ عليها، بإطلاعه على الآليات المتبعة لمنع تمكين أي شخص ما لم يكن مكلفا رسميا، أو جهة مصرحا لها قانونيا، وبقرار محدد العنوان والتفصيل من أعلى سلطة قانونية في السلطتين التنفيذية والقضائية، حتى لا يتم (إفشاء الأسرار) تحت مبرر: "لم أكن أعلم"!
قد يفسر البعض هذه الدعوة لإصدار قانون خاص بكل ما يتعلق بسرية المعلومات والوثائق وتحديد سبل نشرها وعقوبة افشائها، مع مشروع قرار بقانون بشأن الحق في الحصول على المعلومات رقم ( ) لسنة 2025م نشرته وزارة العدل وما زال موضع نقاش، لكننا إذا نظرنا في المادة الثالثة منه ونصها: "لكل شخص طبيعي أو معنوي الحق بالحصول على المعلومات بأنواعها إلا ما تم استثناؤه بموجب أحكام أي تشريع آخر أو أحكام هذا القرار بقانون وفق الإجراءات المنصوص عليها من هذا القرار بقانون". وكذلك في نص المادة الخامسة: "يجب على المؤسسة تنظيم وترتيب المعلومات التي تتوافر لديها حسب الأصول المهنية والفنية المرعية، وتصنيف ما يجب اعتباره منها سريا ومحميا طبقا للقانون وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ العمل بهذا القرار بقانون"... سنجد أرضية صلبة تحفظ الحق بالحصول على المعلومات، ولكن ليس مطلقا، وإنما باستثناءات – كما في نص المادة السادسة عشرة:1 - المعلومات التي من شأنها المس بالأمن الوطني للدولة، ومنها العلاقات الخارجية للدولة ذات الطابع السري والمعلومات التي تخص طرفا أجنبيا، والمعلومات الخاصة بالتحقيقات القضائية، وقضايا الفساد حتى يأمر النائب العام بنشرها.
وبقي القول: إن للموظف في الدولة أيا كان موقعه التوجه بملف قضية لهيئة مكافحة الفساد إذا تلقى أمرا مخالفا للقانون من أي جهة رسمية أعلى، لكنه لا يحق له افشاء أسرار، وهو يعلم يقينا، أنها مصنفة كذلك، ونقطة آخر السطر.