عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 تشرين الثاني 2025

العمران.. ثقافة ونسب!

تغريدة الصباح - حسن حميد

بلى، ما كنا نملك الوقت لقراءة الأدب العالمي، خلال العقود الثلاثة السابقة على بداية الألفية الثالثة، لأننا شغلنا بقراءة ما يكتبه أدباؤنا الفلسطينيون عن فجيعتنا بأرضنا، وسيادتنا، وتاريخنا، والمجازر التي ارتكبت بحقنا (بيوتاً وحقولاً، وبشراً)، والظلموت الذي لفّ كل شيء بقسوته العجيبة ذات الأنياب الحديدية، والأفكار والسلوكيات الشيطانية.

كنا نقرأ الترسيمات التي قرّت على سطوح مرايا الشعر الفلسطيني، وما يبدعه سحرة الكلام، ومرايا السرد الفلسطيني، وما سطره ملوك الكلام، ومرايا كتابنا:عارف العارف، ونجيب نصار، وخليل بيدس، وخليل السكاكيني، وإسعاف النشاشيبي، واحسان عباس، وأكرم زعيتر، ومحمد عزت دروزة، وعدنان دباغ، وما كتبوه من مجلدات حول تاريخ فلسطين وآدابها وجغرافيتها وعلاقاتها وروابطها مع محيطها الداني، ومحيطها العالمي الأبعد، كنا نتهجى رميات الإبداع وما يراد بها، ونتهجى مقولات الثقافة التاريخية، والجغرافية، والثقافة الدينية، وثقافة الألسن وتعددها، والثقافة التي تشع محبة وهي تتحدث عن العمران المهول في فلسطين، حيث عملت أيدي الحذق على جعل كل متر من ترابها حناء وجنة وظلالاً وسعداً وبهجة لا توازيها بهجة أخرى عرفها البشر أو عرفتها جهات الأرض قاطبة؛ كل هذا سعينا إليه،، وجالسناه ركوعاً على الركب، من أجل أن يصير الوعي أنفاسنا، وأذرعنا، وأقدامنا الساعية في الدروب، وعقلنا المنادي بالمستقبل، كي نكون صورة عن الثقافة الباذخة التي عرفتها فلسطين، وصورة عن عمرانها المدهش، وصورة عن حضارتها التي شملت كل شيء وصولاً ونيافة، إلى حد معرفة ما في قيعان الأنهار، والبراري، والصحاري أيضاً.

والحق، إن هذا الانشغال بما كتبه المبدعون والكتاب الفلسطينيون كان واجباً لا بد منه، حتى نعي ما فعلته القوة الضريرة بنا، أرضاً، وقرى، ومدناً وبشراً، ومستقبلاً، من اجل أن يسكنوا خلقاً متنافرين في كل شيء، جاهلين بكل شيء، وطامعين في كل شيء، وخائفين، رغم ما امتلكوه من قوة، من كل شيء (يخافون الصباح مثلما يخافون المساء، ويخافون الراهن مثلما يخافون القادم أيضاً)، لتصير بلادنا وطناً لهم بالقوة المطلقة، والوحشية المطلقة أيضاً، وهم يعرفون أن هذا من المستحيلات المطلقة.

كان لا بد لنا من أن نقرأ أشعار عبد الكريم الكرمي، ومطلق عبد الخالق، وإبراهيم طوقان، لنرى ونعرف ذلك الزمن المتوحش في السنوات الأولى من احتلال الإنكليز لبلادنا العزيزة فلسطينمن جهة، وأن نقرأ قصائدهم لنعرف  قدرتها على المناددة لأجمل قصائد العرب في مصر، وبلاد الشام والرافدين، وهم يتحدثون كلاماً عالياً مضيئاً بالأمل عن عتمات الظلموت الذي وقع على البلاد الفلسطينية، نعم، قرأنا قصائدهم لنرى حيرة أرواح أهلنا، واضطرابهم وقلقهم، وكثرة السجون، وشيوع الخوف، وقرأنا قصائد نوح إبراهيم لنعانق الحس الشعبي وما يقوله الناس، وما يرددونه في تظاهراتهم التي واقفناها كتاريخ نضالي مشرف واجه عربدة الإنكليز وعصابات الصهاينة، لقد قرأنا القصائد لنعرف وقائع المواجهة وأحداثها بين الحق والباطل، ولنعرف أسماء القادة والشهداء والأمكنة، والتفتنا إلى الوراء، ونحن نفتح كتب التأليف والإبداع والفكر والترجمة التي أرخت للثقافة الفلسطينية التي ناددت ثقافة مصر والشام وبغداد بالجمالي الرحيب، فتحنا كتب الثقافة لنرى المدارس التي انتشرت في القرى والمدائن الفلسطينية، ولنرى ازدهار الحياة الاجتماعية، وصور الحضارة في البناء المديني الجديد، ولنعي مفاعيل التلاقي والمثاقفة مع الحضارات الأخرى التي أدركنا أبعادها وما سعت إليه حين وصلت إلينا آثارها مع الحجيج، ورجال التجارة، ولنعرف، بالتوكيد المطلق، أن الترجمات الأولى لثقافات العالم وإبداعاته طرا، كانت بداياتها المدهشة في بلادنا الفلسطينية، في القدس، وبيت لحم، وحيفا، ويافا، والناصرة، وكان لا بد لنا من أن نقرأ ما كتبه مؤرخو الحياة الفلسطينية وكتابها عن الأزمنة الفلسطينية القديمة لنعرف أي ماض مجيد كان لنا، وقد وافاه أجدادنا بكل متطلباته، وإلى أي أجداد بواسل نحن ننتسب.

أقول كل هذا اعترافا، لأن أيدينا كانت قصيرة، لا تستطيع الوصول إلى ما كتبه الأدباء والشعراء والمفكرون (ولا سيما في مجالات علم الاجتماع، والقوانين، والانثربولوجيا، والثقافات الدينية) والرحالة الذين زاروا البلاد الفلسطينية، وقد كانوا من أهل الشهرة الثقافية، والعلو الإبداعي، فمنهم من حاز على جائزة نوبل، وأيضاً لم نعرف الكثير، آنذاك، أي قبل الألفية الثالثة، عن اللوحات الشهيرة التي رسمها الفنانون العالميون الذين زاروا بلادنا، وقد غدت كتباً عزيزة قرأنا رموزها، وتكويناتها، وعلاماتها، وتواريخها، وما أرادت أن تقوله، ولا سيما اللوحات التي رسمت عن العمران في القدس، وبيت لحم، وحيفا، وأريحا، وقرى الجليل، والناصرة، وكلها، أعني اللوحات، واضحة جلية، بأنها فلسطينية خالصة، بالوجوه البشرية، والثياب المطرزة، والأسواق، والأشجار، والشوارع، والشرفات، والأعمدة الحجرية والرخامية.

أجل، انتظرنا وقتاً طويلاً وعشنا وقتاً طويلاً أيضاً، كي نقرأ الآداب العالمية، وما قالته عن بلادنا العزيزة فلسطين، من أيام القديسين في قصصهم، إلى أيام شكسبير في مسرحياته، إلى أيام غوغول (1908-1852)، وايفانبونين (1870-1953) ولامارتين (1790-1869) في كتاباتهم التي كانت تحت عنوان عريض (رحلة إلى الشرق)، نعم، كانت بلادنا هي الشرق المهدوف بالزيارة، وكانت بلادناخير كتاب يقرأ الزائرون فيه عن جمال الشرق، وسحر الضوء، ودهشة الظلال، وسلوك الناس أهل الحضارة، وهم العارفون باللغات والثقافات والتواريخ التي بنت وعمّرت الأرض وأهل الأقلام التي روت الأساطير وحكايات الميثولوجيا، وتحدثت عن الأيدي التي حذقت كل جميل من أجل العزة والمكانة والتطور، وتحدثت عن العيون التي أبصرت النباتات العطرية وعرفتها وميزتها حتى صارت أعواد بخورها هواء البلاد، تماماً مثلما صارت روائح القهوة باباً تقرعه الأيدي طلباً للتلاقي والمؤانسة.

أجل، كنا منشغلين بدروبنا، وشهدائنا، وجروحنا كي تهدأ أو تستكين، ومنشغلين بكتابات أصحاب الأقلام من أجدادانا وآبائنا كي نتعلم فنون العشق لبلادنا فلسطين، ولنعرف كيف أنسنوا الجبل، والنهر، والبحر، والبحيرة، والغابة، وأجمات الشوك، والصخور، فجعلوها بيوتاً، وقرى، ومدناً، وكتباً، وفنوناً، ومعابد مقدسة، ودروباً تحفها الطمأنينة سياجا، وغدران ماء تسوّر ضفافها رفوف الطير، ويعلو غناء الصبايا الهفيف، وكان لابد لنا من أن ننتبه لثقافات العالم، فقرأناها في أحسن نصوصها وكتبها حين ترجمها جبرا إبراهيم جبرا، وإحسان عباس وصالح علماني، واسكندر حبش، لأن كل واحد منهم كان جهة للترجمة والنشر ليس على الصعيد الفلسطيني وحسب، بل على الصعيد العربي عامة، فغدت ترجماتهم تدرس في الجامعات لامتيازها بالمصداقية والشمولية والحذق.

نعم، دائماً كان أهل العمران، ينظرون في مرايا أهل العمران الآخر، لأن الحق والخير والجمال نسب، ونحن نعتز بهذا النسب!

[email protected]