عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 29 تشرين الثاني 2025

جنين تستذكر 29 تشرين الثاني في توقيت عصيب

جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- كان أحمد نزال في السادسة عشرة، عندما خط لأول مرة شعارات وطنية، في 29 تشرين الثاني 1988، على جدران بلدة قباطية جنوب جنين.

ويسرد لـ"الحياة الجديدة" التفاصيل التي كانت ترافق إحياء المناسبات الوطنية، ومنها اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وفيها يستعد نشطاء انتفاضة الحجارة على طريقتهم، فيجهزون الأقنعة وأكياس الطحين والأسمدة والكوفية، ويحضرون الأعلام وعلب الطلاء.

ويفيد بأن هذا التقليد كان متشابها في المدن والبلدات والمخيمات، وفيه تصطبغ الجدران بالشعارات التي تؤرخ للذكرى، وتنادي للحرية، وترفض التعايش مع المحتل.

وتبعا لنزال، فإن أعقد مهمة كانت تنحصر في توفير الأعلام الفلسطينية، ونقلها إلى المواقع المختلفة بطريقة سرية؛ خشية مصادرة جيش الاحتلال لها قبل رفعها في المناسبات الوطنية.

ويشير إلى أن المناسبة هذا العام تتزامن مع توقيت عصيب تمر به جنين ومخيمها وبلداتها، منذ 21 كانون الثاني الماضي، وخسرت خلاله 59 شهيدا ومئات الجرحى والمعتقلين، وسط تهجير كامل لمواطني المخيم.

 

مأساة وفرصة

ويرى أستاذ التاريخ، مفيد جلغوم، أن إحياء ذكرى قرار الأمم المتحدة رقم (181) بتقسيم فلسطين، والذي اعتمد يوما للتضامن مع شعبنا، بدأ في العالم، وبخاصة في الدول التي شهدت صعود الأحزاب الاشتراكية الحاكمة وقوى اليسار.

ويشير إلى أن العالم شرع في تحويل المأساة التي حلت على شعبنا إلى فرصة للتضامن، وشهدت فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي حالة مد، وانتقل ذلك إلى نشطاء انتفاضة عام 1987.

ويستعيد تفاصيل الإعداد لمسيرات 29 تشرين الثاني، فقد كان يتقاسم الشبان أعباء العمل، ويوزعون المهمات بينهم، فيتخصص بعضهم بتنظيف الجدران المزدحمة بالشعارات الوطنية بطلاء أبيض؛ تمهيدا لكتابات جديدة، ويوفرون اللافتات، ويؤمنون الأعلام.

ويؤكد أنه كان هو وأبناء قريته فقوعة، شرق جنين، يضعون أجندة للمناسبات التي سيجري الاحتفال بها بمسيرات وطنية وعروض عسكرية، فيتقفون في تشرين الثاني مع 3 مناسبات مهمة: وعد بلفور المشؤوم، وإعلان الاستقلال، واليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

ويستذكر جلغوم لـ"الحياة الجديدة" الأجواء المصاحبة للتحضير لإحياء المناسبات الوطنية، ويقول إنها كانت تتطلب وقتا وجهدا، ولا تجري بسرعة مثل اليوم؛ لاختلاف الوسائل والأدوات.

ويتابع أن فترة المد لإحياء 29 تشرين الثاني بدأت عام 1988، واستمرت حتى عام 1993، وعادة ما يجري تجهيز الشعارات الوطنية في جوف الليل، ومع طلوع الشمس يقرأ الأهالي والمارة الشعارات الجديدة، التي كانت تكتب غالبا بألوان العلم الفلسطيني، وبخط جميل.

ويقول إن الأعلام الفلسطينية كانت سيدة الموقف، ولم يجر أي إحياء للمناسبات إلا بحضور الألوان الأربعة، لكن جنود الاحتلال يسارعون في اقتحام البلدات؛ لإنزال الأعلام، ولطمس الشعارات بالإجبار، بعد احتجاز بطاقاتهم الشخصية.

ويعتقد جلغوم أن الأصل في إحياء يوم التضامن مع شعبنا، أن يكون خارج فلسطين، ومن أصدقاء شعبنا وأنصاره حول العالم، وليس أن نتضامن نحن مع أنفسنا.

ويبين أن إحياء 29 تشرين الثاني عاد إلى سابق عهده، بعد العدوان على غزة خريف 2023، وبدأت مسيرات ضخمة تتضامن أسبوعي ويومي في دول لم تكن داعمة لنا لا رسميًا ولا شعبيًا، كحال بريطانيا.

ويضيف بأن سيرة يوم التضامن مع شعبنا مشمولة في مناهج الصفين العاشر والحادي عشر، وتتحدث في مدارسنا باستفاضة عن تاريخ فلسطين وجغرافيتها، وتوضح للدارسين الموقف العالمي من الاستعمار، وتبرز القرار الأممي (181) والدول الداعمة والرافضة له.

 

سيدتا الأعلام

وتشير العشرينية هبة الشيخ إبراهيم إلى أن جدتها أمينة، أخبرتها بطريقة تجهيز الأعلام في الانتفاضة الأولى، إذا كانت سيدتان من جنين: مقبولة الخالدي، وخيرية الجمال، تتقنان مهنة الحياكة، تعهدتا سرا بخياطة العلم الفلسطيني لشباب جنين المنتفضين.

وتقول إن رفع العلم أو صناعته أو حيازته أو نقله كانت تهمة يلاحق الاحتلال أصحابها، حسب جدتها، التي أخبرتها باستهداف الاحتلال راية فلسطين، التي ثبتها شاب على شجرة كبيرة في أحد مواقع جنين الشرقية.

وتبين هبة أن جنود الاحتلال صوبوا نيران بنادقهم نحو العلم، حتى تمكنوا من إسقاطه، واستغرق ذلك وقتا طويلاً.