من أدرعي إلى إيلا .. الوجه الهادئ للحرب النفسية الإسرائيلية في زمن المنصات الرقمية
مريم شومان

بعد عقدين من الحضور الإعلامي الصاخب لأفيخاي أدرعي، المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، من المتوقع أن يطلّ وجه جديد يمثّل تحوّلا واضحًا في استراتيجية الدعاية الموجّهة للعرب؛ الكابتن إيلا واوية.
امرأة عربية مسلمة من مدينة قلنسوة في فلسطين المحتلة، تتحدث بملامح هادئة وصوت منخفض ونبرة متّزنة، لكنها تخوض من موقعها حربًا نفسية من طراز مختلف؛ حرب تعتمد على الإيحاء، وعلى صناعة الثقة أكثر مما تعتمد على الاستفزاز المباشر.
من يتابع ظهور إيلا على "تيك توك" أو عبر مقاطعها القصيرة المنتشرة على "إنستغرام "و"إكس"، يلاحظ أنها لا تتحدث بلهجة الأوامر العسكرية كما كان يفعل أدرعي، بل بلغة أقرب إلى الوعي الجمعي العربي، محمّلة بالرسائل العاطفية والمفردات الإنسانية.
إيلا ليست مجرّد متحدثة إعلامية، بل منتج دعائي مبرمج يعكس كيف غيّر الاحتلال أدواته في مخاطبة العالم العربي، فبدلًا من خطاب القوة والسيطرة جاء الخطاب الجديد بلغة "الأنثى الهادئة" التي تستند إلى الإقناع الناعم لا التهديد، ملامحها المتزنة ونظراتها الثابتة كلها عناصر مدروسة تخدم الرسالة ذاتها: "إسرائيل ليست عدوًّا بل طرف عقلاني يحاول أن يشرح وجهة نظره".
بهذا الشكل، تتحول الملامح الشخصية إلى أداة نفسية تُستغل لتلطيف صورة الاحتلال وتجميلها أمام جمهور عربي يعيش اليوم داخل فوضى معلوماتية كثيفة.
إنّ ما تقوم به إيلا يمثل مرحلة متقدمة من الحرب النفسية الرقمية، حيث تحاول دولة الاحتلال استثمار الثورة التكنولوجية لتسويق روايتها داخل فضاءات التواصل الاجتماعي، بعد أن أدركت أنّ نشرات الأخبار التقليدية فقدت تأثيرها.
فمن خلال مقاطع قصيرة تتراوح بين 30 و 60 ثانية، يجري بثّ رسائل دعائية مغلفة بلغة "الواقعية والإنسانية" لتبرير الجرائم في فلسطين، في الوقت الذي تتكشف فيه للعالم صور الدمار والمجازر والاستيطان والبوابات الحديدية والاعتقالات والتنكيل بحق المدنيين الفلسطينيين.
هذا التحول ليس عابرًا؛ إنه جزء من خطة استراتيجية تستهدف إعادة تشكيل وعي الجمهور العربي، عبر "مخاطبته بلغته"، ومن خلال وجه يبدو مألوفًا وغير مهدد، إنها محاولة لاستبدال الصراخ الأدرعي بالابتسامة الإيلاوية، ابتسامة تحمل في طياتها قدرة على اختراق العقول بدلًا من مواجهة الأصوات.
لكن في المقابل، ثمة وعي عربي جديد آخذ في التشكّل؛ فقد باتت الجماهير وعبر المنصات ذاتها التي تحاول دولة الاحتلال استغلالها أكثر إدراكًا لطبيعة الدعاية الرقمية وأساليبها، ومع صعود المحتوى الفلسطيني والمشاهد اليومية من غزة والضفة، أصبح من الصعب على أي دعاية "ناعمة" أن تخفي حقيقة الاحتلال أو تلمّع وجهه.
ربما نجحت إيلا في تغيير النغمة، لكنها لن تستطيع بسهولة تغيير الذاكرة، فالوعي العربي الذي تشكّل على أنقاض الحروب والمجازر أصبح اليوم أكثر قدرة على قراءة الصورة قبل الاستماع إلى الصوت.
ومن هنا، يبو أن "إسرائيل" تخوض حربها الجديدة في أخطر ساحاتها: الوعي العربي ذاته.
في مواجهة هذا الخطاب الدعائي الإسرائيلي المتقن الذي يتسلل بهدوء إلى وعي المتابع العربي، لا يكفي الاكتفاء بردّ الفعل أو بنقد الشكل، بل تبرز الحاجة إلى استراتيجية فلسطينية وعربية شاملة في الفضاء الرقمي تقوم على الفعل والمبادرة.
المطلوب اليوم هو تحرير المنصات من احتكار الرواية الإسرائيلية عبر بناء محتوى فلسطيني وعربي، منظّم إنساني واحترافي، يوظف الأدوات ذاتها التي يستخدمها الاحتلال، من الصورة إلى المقاطع القصيرة فالخطاب المؤثر، ومن الذكاء الاصطناعي إلى التحليل الرقمي، لخدمة الحقيقة لا لتزييفها.