لماذا كل هذا الخراب؟ (2)
باسم برهوم

في المقال السابق، الذي يحمل العنوان نفسه كان الحديث حول سؤال: لماذا وكيف يحصل الخراب والعفن في بعض النخب الفلسطينية راهنا وفي المراحل السابقة؟ في هذا المقال ستتم معالجة الموضوع عبر السؤال التالي: ما هي النماذج الأكثر عرضة لتقبل دور المرتزق والمأجور من النخب، وخاصة في المرحلة الراهنة؟
يمكن أن يشكل المشاركون في الملتقى الثالث لفلسطينيي الخارج، الذي عقد في إسطنبول مؤخرا، وحتى من شاركوا في الملتقى الأول والثاني عينة جيدة للدراسة، فمن هم هؤلاء؟
من دون التطرق إلى الأسماء، هناك أربع عينات:
العينة الاولى: بقايا اليسار، أو ما كان يطلق عليه يسار منذ نهاية الستينيات وحتى نهاية الثمانينيات، مع انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وبالتحديد اليسار الفلسطيني المنحدر من جذور قومية، من حركة القوميين العرب، وحزب البعث، أو من بعض الأفراد الذين كانوا جزءا من فصائل اليسار وتركوها مبكرا نسبيا، وهم في الغالب شخصيات أكثر انتهازية، ولاحظوا ان الفصيل يقيد طموحاتهم ورغباتهم، بالاضافة إلى شهوتهم المبكرة للمال، حتى في وقت كانت أغلبية النخب تعتبر الانتماء للثورة والعمل من خلالها واجبا ومهمة وطنية، وكان المال آخر همٍّ لهم.
ما يميز هذه النخب الانتهازية والهاربة من فصائلها، انها متفوهة، وتملك قدرات كتابية، بالمنطق الشعبوي، وبالمناسبة عندما يحرر المرء نفسه من الالتزام الوطني ويصبح شعبويا يمكنه ان يتحرك بهامش واسع خصوصا إذا كان الهدف منها مخاطبة العواطف والغرائز.
العينة الثانية: وهم أشخاص مروا في حركة فتح، وكانوا في عدادها، لكنهم في الواقع كانوا، وما زالوا موالين لإيديولوجيا في الغالب ماوية (نسبة لماو تسي تونغ)، أو ماركسيين بشكل عام. وفي الغالب كانوا جزءا من حركة فتح، يحصدون الفوائد، لكنهم في واقع كانوا يتحركون ضمن تنظيم يجمعهم ككتلة مستقلة تقريبا داخل فتح.
على أية حال فإن العينتين الاولى والثانية هما من النوع الذي يبحث عن ممول لمشاريعهم الخاصة، مراكز للبحث، أو مجلة، أو كليهما.
العينة الثالثه: أفراد من العائلات البرجوازية الفلسطينية، الذين انضموا للثورة وفصائلها في مرحلة مبكرة من حياتهم، لكنهم شعروا أنهم وما يمثلون أكبر وأهم من تلك الفصائل وفضلوا ان يُصنع لهم حالة خاصة بهم. وهؤلاء أيضا أسسوا دكاكين سياسية (مراكز بحث أو جمعيات) وكانوا يتلونون في الغالب حسب الممول.
أما العينة الرابعة والأخيرة، فهم قادة لا يزالون يمارسون دورهم في قيادة الفصائل، وهم موجودون في كافة الفصائل ويعتبرون القوة الاحتياطية للدول الممولة، ويعملون على حشد المناصرين لاستخدامهم في الوقت المناسب ليس لهم وإنما لغايات الدول الممولة.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، العديد من قادة فصائل اليسار اتجهوا نحو تأسيس منظمات غير حكومية، او ما يطلق عليه مؤسسات المجتمع المدني. ومع الوقت تبنوا أجندات الممولين. وسياسيا كان من الأسهل لهم ولتغطية انحرافاتهم الوطنية أن يصبحوا معارضة أكثر تطرفا وإدعاء بالنقاء بالرغم من أنهم أصبحوا جزءا من أجندات الممولين، وفي نهاية الأمر، فإن كل من يحول نفسه إلى مأجور فهو بالضرورة فاسد.
ويأتي بقايا الناصريين والقوميين من النخب الفلسطينية، الذين شعروا بانسداد الأفق أمامهم بعد فشل المشاريع القومية، وكغيرهم بدأوا بالبحث عن مظلة وعن ممول. وهؤلاء انتشروا بين المحورين الإيراني والإخواني، متخلين عن قوميتهم، بالرغم من أنهم لا يزالون يستخدمون شعاراتها. ويمتد هؤلاء في معظم الدول العربية، وفي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
كافة العينات سابقة الذكر كانت الأكثر استقطابا من الدول والجماعات، وكانت كل هذه العينات موجودة في الملتقى الثالث لفلسطينيي الخارج. وغالبيتهم ممن فقدوا مظلتهم اليسارية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أو مظلتهم القومية، بعد انهيار الانظمة "القومية التقدمية"، خصوصا في العراق وسوريا وليبيا، كل هؤلاء كان من السهل أن يصل إليهم "المفكر العربي الكبير" وممولوه. فوجدوا فيه مظلتهم الجديدة، ووجد هو فيهم المناسبين لأجندة مشغليه.
بالطبع لم يتم التطرق لنخب الاسلام السياسي، النخب المنتمية للتنظيم الدولي لجماعة الاخوان، لأنهم أصبحوا أسياد العينات سابقة الذكر والمتحكمين بها.