عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 تشرين الثاني 2025

رثاء رجل عادي جدا

تغريدة الصباح - محمد علي طه

قد يستغرب البعض من الذين يعرفون المرحوم هذا الرثاء غير العادي فهو لم يكن فنانا أو أديبا أو شاعرا ترك إرثا ثقافيا بعد رحيله، ولم يكن سياسيا أو قائدا حزبيا يقود المظاهرات ويدعو الناس بمكبر الصوت إلى المسيرات أو الاجتماعات ضد حكومة اليمين الفاشية، ولم يكن مختارا أو وجيها من وجهاء القرية أو عضوا في مجلسها المحلي ولكن أهل القرية، شيوخا وشبانا وشابات ورجالا ونساء يعرفونه أكثر مما يعرفون أعضاء المجلس المحلي.

هو رجل عادي، واحد منهم، فطوره لا يتعدى كسرة من خبز الطابون وصحنا من الزيت والزعتر، وطعامه المفضل المجدرة والعلت والخبيزة والعدس والفول، وأما الكبة النيئة والمسخن والأرز المفلفل فللمناسبات، وعلى ذمته، وقد سمعتها من فيه مرات عديدة، أن أعرابيا زار القرية لحاجة ما في يوم جنازة أحد رجالها ولبى الدعوة إلى تناول الطعام مع أهل الفقيد فلما أكل الأعرابي وشبع حمد الله وشكره وقال: الموت يليق بأهل هذه القرية لأنهم يطبخون الأرز.

لم يملك صاحبنا كروما أو حقولا بل كان يملك محراثا عصريا. يقول له أحد الناس: يا حاج احرث لنا كرم الزيتون أو الحاكورة أو مارس مراح الغزلان فيلبي الطلب بإتقان ويأتي حالا إلى صاحب الكرم أو الحاكورة أو المارس ويفرمل بتراكتوره أمام باب بيته وعندما يخرج يقول له وهو يضحك: يدك على جزدانك (محفظتك) إتمخط بمئة شاقل. ومصطلح "إتمخط" ماركة مسجلة له.

لم يدرس في مدرسة زراعية ولم يسمع باسم (خضوري) المدرسة الزراعية في طولكرم أو مدرسة (كدوري) في أراضي عشيرة الصبيح الا أنه خبير زراعي يركب أشجار الزيتون والحمضيات واللوزيات برقع يحتفظ بها في صندوق جراره الزراعي: "دير بالك، اسق الشجرة بدلو ماء وبعد سبعة أيام فك الرقعة بلطافة".

كان رجلا ذا قلب طيب، يمازح الجميع وكلمته على رأس لسانه يقولها ولا يزعل أحد منه مثلا: يقول هذه العائلة رأسها يابس مثل حجر الصوان ويعضون الجمل أو البغل أو الحمار كي يسرع عندما يمتطونه. ويشير إلى أحد وجهاء العائلة، وهو رجل محترم ذو هيبة ويتمتع بسمعة طيبة في القرية. فيضحك الرجل ويضحك الحاضرون.

كان المرحوم ذا قاموس لغوي خاص به فبالإضافة إلى كلمة "يتمخط" كان إذا هجا رجلا من رجال القرية يقول: هذا إجر "رجل" كرسي أو هذا خشبة مقصوصة، وهؤلاء الجماعة مثل أباريق الجامع أو مثل طقم فناجين مشتم، وإذا رأى رجلا يطلب سيجارة من الآخر يقول له "كنو باكيتك الدخان مرشح"، وكلمة كنو هي كأنه وباكيت الدخان علبة السجائر، وأما إذا أخذ منه رجل فاكهة أو خضارا قال: غف علي زي الشنار. وإذا وصف شيئا بأنه قديم أو من أيام زمان قال عنه هذا من زمن آمنة الطه. ولا أحد منا يعرف من هي هذه المرأة فما أكثر الآمنات الطاهويات في بلدتنا.

ولم تكن له علاقة مع البنك فقد كان يحتفظ بنقوده في جيبه.

افتقده كثيرون من أهل قريتنا ومن القرى المجاورة وتأسفوا على فراقه وبدأوا يرددون نوادره في مجالسهم ويثنون على طيبة قلبه وخفة ظله وحبه لأحفاده.

خسره المصلون في مسجد بلال بن رباح حيث كان يصلي صلاة الجمعة ويسلط لسانه أحيانا بلغته الخاصة على فلان أو علان فيضحكون ملء صدورهم، وأما أنا فسوف أذكره كلما قطفت ثمرة ليمون من ليمونة حاكورتي التي ركبها قبل سنتين وزارها مرتين ليطمئن عليها.