قصر الباشا!
تغريدة الصباح - حسن حميد

ارتجف قلبي مثل طير أصابه وابل من البلل، حين عرفت أن البلدة القديمة في غزة دمرت تماما، وحرقت تماما، وضاعت معالمها، وأنا الذي شغلت بها بحثا وتنقيبا كي أكتبها وأصورها وأرسمها وأثبتها سطورا يرويها العارفون بها، والعاشقون لها، والمتخوفون عليها، والهاجسون بأن شرا كبيرا يتربص بها.
قلت للأديب غريب عسقلاني (إبراهيم الزنط) قبل رحيله بسنوات، أرجوك دع القصص والروايات جانبا، ودع الخيال والمجاز وركوب الريح أياما، ودع أحزان المخيمات، قليلا من الوقت، واكتب لنا، وارسم، وصور، وسجل ما تراه حين تزور البلدة القديمة في غزة، قف أرجوك، (قلت له)، قبالة الأبواب العسلية، واكتب عما تراه من رسوم ونقوش عليها، وما جاورها من أعمدة حجرية قديمة قدم التاريخ والبناء والعمران، اكتب وصفا للتيجان والنباتات المرسومة نحتا فوق الحجارة والرخام، وعدد لنا الحلقات التي أحاطت بالتيجان، وقل لنا ما الذي ترمز إليه هذ الحلقات، أهي أطوار الأزمنة، أم أطوار العائلات، أم أطوار الفن، أم أطوار الحظ، قف قبالة النوافذ الطويلة ذات الأقواس المنحنية جمالا، والزجاج المعشق بالألوان البهيجة، وقل لنا ما الذي قالته، وما الذي سكتت عنه، وصف لنا كيف لا تمل الطيور هذا التحويم فوق الصفحات الحجرية المرقوقة المثبتة على واجهات البيوت، وهل كل هذا مشهد للترحيب، وأخبرنا كيف تتحرك النباتات المنقوشة وتتمايل أمام أنظار من يرنو إليها. وكيف عاشت راهجة، جميلة طوال الأزمنة الكثيرة التي مرت بها وعليها، قف، أرجوك، يا غريب، أمام الأعمدة المذهلة في حجارتها ورخامها وأطوالها ونقوشها واستداراتها التي توازعت الأمكنة الداخلية للبيوت، والقصور، والخانقاهات، والباحات، والممرات، والأقبية الرحبة، وقل لنا، وحدثنا عن هذه الجزر العمرانية في البلدة القديمة التي استقلت كل واحدة منها بدورها، ومساجدها، وكنائسها، ومدارسها، وحدائقها، وآبارها، وممراتها، وأسواقها، وباحاتها، وأرصفتها، وخاناتها، وحماماتها، وروائح بيوتها ونباتاتها وأزهارها، ونداءات باعتها، وقل لنا، أرجوك، إن علت بك الأمكنة والسلالم، كيف تجاورت القبب فوق البيوت، والتكايا، والزوايا، وأمكنة العبادة، والقصور، وكيف واجهت الشرفات الشرفات، والقناطر القناطر، والنوافذ النوافذ، والأبراج الأبراج، والمآذن المآذن، والأجراس الكبيرة المنادية هنا، الأجراس الكبيرة المنادية هناك، وأخبرنا، إن مشيت في الشوارع التي رصفتها الحجارة السود الرقيقة، عن الدكاكين التي تجاورت بإخاء عجيب، رغم تنوع بضاعتها، وعن تشابك الكلام مع الكلام، وعناق الأسئلة مع الأسئلة، وعن عربات الجر، والقرقعة، وطاعة الحيوانات المطرودة بأصوات راكبيها، وعن أكوام البرتقال، والكريفوت، والليمون، والرمان، والبصل، والبطاطا، والملفوف والجزر، والقرنبيط، والقرع، واليقطين، وتلال خضار السبانخ، والسلق، والرشاد، والهندباء، وبرحمة والديك، أخبرنا عن الزيتون، وهل هو حقا بيادر للفرجة والجمال، وقل لنا كيف شدت الحبال كي تعلق عليها قطوف الموز، وكيف وصل كل هذا العنب الخليلي إلى هذه الأرصفة، وكل هذا التمر الريحاوي البارق، وقل لنا كيف تزينت واجهات الدكاكين بالأثواب المطرزة التي تبارت وزهت بألوانها وأطوالها وأشكالها.
قال لي غريب عسقلاني: وكيف لي هذا؟ ولماذا لم تطلب مني مثل هذا الطلب يوم كنت في فتوة الجسد، وفتوة الإبداع، وفتوة العشق!
آااخ يا غريب، ليتك بيننا الآن، لتعرف لماذا طلبت منك ما طلبته، لعلك حدست بما سيحدث، لعلك أضمرت كلاما كثيرا وثقيلا لم تقله لي، ولم تقله لأحد، لذلك رحلت قبل أن ترى ما رأينا، وقبل أن تسمع ما سمعنا، وقبل أن يعمّك ما عمنا من حزن ثقيل لم نعرفه على هذا النحو من قبل، ولم تعرفه أزمنة غزة من قبل أيضا.
سامحني، يا غريب عسقلاني، إن اخبرتك بقصة واحدة، واحدة فقط، لأنها رمتني وطرحتني أرضا، أنت تعرف قصر الباشا، في حي الدرج، نعم، توقع مني كلاما ثقيلا على القلب، لقد راح قصر الباشا، يا غريب، راحت دوره الوسيعة المذهلة النقوش والزينة، وراحت أعمدته التي كانت اشبه بالكتب، راحت باحاته، هي ونوافيرها، ورسوم الجدران التي أحاطت بها، راحت الأدراج الملتوية مثل ريح عصوف، وراحت الأدراج المستقيمة الأشبه بالرسائل الشفوية التي تمر بالغرف والأبواب والنوافذ، وراحت الأقبية ساحرة الظلال والأفياء، والهدآت العميمة، راحت السلالم الخشبية ذات الألوان النداهة، يا غريب، راح الزجاج الثمين، وراحت مقتنيات قصر الباشا، راحت كلها، لقد سرقها الخواجات، سرقوا كل شيء، الذهب والفضة، والأحجار الكريمة، والقلائد، والأقراط، والمكاحل، وأنياب الفيلة، آااخ كم كنت تحدثني عن غابات غزة، وأفيال غزة، وعجول بحرها، نعم، يا غريب، أخذوا كل شيء من قصر الباشا، الذي غدا، منذ عام 1994، متحفا لآثار غزة كلها، أجل، يا غريب، كل الجمال الذي تعرفه، امّحى من قصر الباشا، لأنهم دمروه، دمروا أساساته، دمروا كل ما يحيط به من دور، وأسواق، وآبار، وحدائق، ومعابد، ومدارس.
أجل، يا صديقي، راح القصر، وراحت آلاف القطع التراثية، سرقها الخواجات قبل أن يدمروه، سامحني، ارجوك، لأنني طلبت منك ما لم تقدر عليه، بعد أن أدركتك الشيخوخة بأمراضها، سامحني لأنني ضعفت فاعترفت لك بخوفي على العمران الذي وازى خوفي على أهلي في غزة، ولكن يا لحدسك وإلهامك، يا غريب، حين قلت لي يومذاك بثقة: لا تخف على شيء، فالحجارة القمرية موجودة، والحذق موجود، وأحفاد من عمروه ها هم بيننا يقرأون كتب التاريخ والجغرافيا.. والمحبة!