عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 تشرين الثاني 2025

حين تتجاور الأرواح قبل أن تتجاور الخرائط: الجزائر وفلسطين…

بقلم: رانية مرجية

بحث في الأخلاق والذاكرة والمصير

هناك لحظات في التاريخ لا تقاس بعدد الكلمات، بل بوزن الحقيقة التي تحملها.

ولعل من أصعب ما يمكن على العالم أن يفهمه، أن هناك علاقات بين الشعوب لا يمكن ردها إلى المصلحة، ولا تحليلها بمنطق الحاجة، لأنها تُبنى في منطقة أخرى تماما: منطقة الجوهر الإنساني.

تلك هي العلاقة بين الجزائر وفلسطين.

ليست علاقة تضامن، ولا مجرد تلاقي جراح، بل علاقة تُشبه الوشم: تنقش الذاكرة على الذاكرة، وتجعل من التاريخ مشتركا، ومن الألم خزانا أخلاقيا يتوارثه الأبناء كما تُورث الأرض.

 

الجزائر حين يولد الوطن من الشهادة لا من الجغرافيا

يخطئ من يظن أن الجزائر خرجت من حربها الطويلة كبلد يبحث عن مكانه في العالم. الجزائر خرجت من تلك التجربة كفكرة، كحجة وجود.

بلاد اكتشفت معنى أن تُنتزع الروح ثم تُستعاد بالقوة.

هذا الإدراك العميق -إدراك أن الوطن ليس عطية، بل ثمن- هو ما جعل الجزائر تقرأ فلسطين بطريقة مختلفة تماما عن الآخرين.

فهي لا ترى فلسطين كخبر سياسي، بل كذاكرة ثانية لها، كما لو أن بين الشعبين اتفاقا غير مُعلن يقول: "إن الذي عرف معنى الاستعمار لا يمكن أن يتصالح مع ظلمه حين يقع على غيره".

 

فلسطين.. الجرح الذي يتسع ليشمل الإنسانية كلها

من الصعب على العالم أن يعترف بأن المأساة الفلسطينية ليست مجرد شأن إقليمي.

إنها اختبار أخلاقي للبشرية جمعاء:

هل نستطيع أن نرى الإنسان قبل السرديات؟

الطفل قبل الجغرافيا؟

الحياة قبل الخرائط؟

وحدها الجزائر كانت من بين الدول التي لم تقع في هذا الاختبار.

لم تتردد، لم تُساوم، لم تُبدل قراءتها للحق بقراءة الواقع.

فالجزائر لا تنظر إلى فلسطين كملف، بل كمرآة تُظهر لنا جميعا ما تبقى لنا من ضمير.

وحين تختار الجزائر أن تدافع عنها، فهي تدافع عن إمكانية أن يبقى العالم عادلا، أو أن يبقى على الأقل قابلا للعدالة.

 

الذاكرة كقوة.. لا كعبء

في الفلسفة، يُقال إن الذاكرة قد تكون عبئا حين تعيق الإنسان عن التقدم، وقد تكون قوة حين تمنحه القدرة على الرؤية من وراء الزمن.

الجزائر اختارت النوع الثاني من الذاكرة.

ذاكرة الشهداء، ذاكرة الأم التي انتظرت ابنا لم يعد، ذاكرة الأرض التي لم تُفرط في نفسها حتى آخر قطرة دم…

هذه الذاكرة حين تلتقي بالذاكرة الفلسطينية -التي تحمل الشبه ذاته: أم تنتظر، أرض تُصادر، بيت يهدم، اسم يُمحى، ثم يعود وينهض- يتشكل شيء أكبر من التضامن:

يتشكل مصير مشترك وإن لم يُكتب،

وميثاق شرف وإن لم يُعلن،

وتاريخان يتعانقان كما تتعانق جبهتان في لحظة أخيرة قبل انتهاء الليل.

 

لماذا تُهاجم الجزائر إذا؟

ليس لأن موقفها خاطئ، ولا لأنه مثير للجدل.

بل لأنه واضح.

والوضوح في عالم معتم يثير الخوف.

ولأن الجزائر لم تتعلم أن تقف في منتصف الطريق، ولم تعتد أن تغير اتجاهها حين تشتد العاصفة، أصبح صوتها مزعجا لكل من اعتاد الصمت.

إن ما يزعج العالم ليس موقف الجزائر من فلسطين…

بل إنها ما زالت قادرة على اتخاذ موقف أصلا.

وهذا وحده يكفي ليجعلها هدفا.

 

الموقف.. حين يتحول إلى إرث شامل

ما بين الجزائر وفلسطين، هناك علاقة لا تحتاج إلى تفسير:

علاقة كتلك التي تربط الناجين ببعضهم، الشهود بالشهداء، الذين يعرفون شكل الألم بأولئك الذين لا يزالون يعيشونه.

إنه تواصل يتجاوز even التاريخ السياسي ليصل إلى التاريخ الوجداني للإنسان.

ومن يفهم هذا يدرك أن ما يجمع الجزائر بفلسطين ليس حدثا، بل معنى.

ليس ظرفا، بل جوهر.

ليس شعارا، بل هوية أخلاقية.

وهكذا يصبح موقف الجزائر جزءا من تراثها العالمي، كما يصبح صمود الفلسطينيين جزءا من مدرسة الإنسان في مقاومة المحو.

 

خاتمة.. نحو أفقٍ أخلاقي جديد

قد لا يتفق العالم كله على السياسة،

لكن العالم -إن أراد أن يبقى عالما- يجب أن يتفق على شيء واحد:

أن الإنسان يستحق الحياة.

والجزائر حين تدافع عن فلسطين، فهي لا تدافع فقط عن شعبٍ مهدد،

بل تدافع عن هذا المبدأ البسيط الذي يبدو اليوم «مُتطرفا» في عالمٍ تنازل عن بدائه الأخلاقية.

إنها تقول لنا بصوتٍ لم يتهدج رغم العقود:

"ما زال في هذا الكوكب مكانٌ للكرامة. وما زال بإمكان أمة أن تقف لأنها تُحب أن تقف، لا لأنها مضطرة".

وهذا، في زمن الصفقات والمساومات،

هو بالضبط ما يجعل من الجزائر وفلسطين قصة أكبر من السياسة…

قصة إنسانية كبرى عن شعبين يكتبان -بدمهما لا بحبرهما- تعريفا جديدا للحق.