لنحقق في السابع من أكتوبر ونتائجه
باسم برهوم

حرب دموية دامت عامين، عاش خلالها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة حرب إبادة جماعية غاية في الوحشية وحجم دمار غير مسبوق، حرب في جوانب منها اكثر بشاعة من نكبة العام 1948، لا يمكن أن يمر ذلك بدون تحقيق وتقييم، لأن نتائجها المأساوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، كانت هائلة غيّرت عمليا ليس واقع قطاع غزة، وإنما واقع الشعب الفلسطيني والمنطقة برمتها.
لحظة البداية لكل ذلك كان هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، فلا يمكن تنحية هذا العمل عن التداعيات الرهيبة اللاحقة، فهذا الحدث لو لم يحصل بالشكل والتوقيت الذي جرى فيه لكان واقع قطاع غزة وفلسطين مختلفا تماما.
صحيح أن التركيز الأساسي بالضرورة أن يتواصل على جرائم الحرب، التي ارتكبها ضباط وجنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بأمر من قيادتهم العسكرية والسياسية، خصوصا ان هيئة الأمم المتحدة، ومؤسسات دولية اخرى، ومحكمة الجنايات الدولية قالت ان ما جرى في قطاع غزة هو حرب إبادة جماعية مكتملة الأركان.
إلا اننا وعلى الصعيد الوطني نحن بحاجة إلى لجنة تحقيق وطنية، تضم قضاة وخبراء ومؤرخين وباحثين، وسياسيين، واقتصاديين، بهدف التحقيق بالمسؤولية المتعلقة بما ارتكب من أخطاء استخدمتها حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي كمبرر لتنفيذ جريمتها، والمقصود هنا ما قامت به حماس في السابع من اكتوبر، ومن مناورات خلال الحرب كانت سببا في إلحاق اكبر أذى بالشعب الفلسطيني.
ما يؤخذ على الشعب الفلسطيني وقياداته السياسية ومؤرخيه وأكاديمييه، أنهم ومنذ نَشأَت الحركة الوطنية قبل أكثر من قرن لم تكن لديهم لا النية وربما ولا القدرة ولا الإدراك بأهمية إجراء قراءات نقدية للتجارب والمراحل، التي مرت بهذه الحركة، وحتى بعد ان حصلت نكبة العام 1948، كنا نكتفي غالبا بتوجيه اللوم للمخططات الصهيونية والإمبريالية دون ان ندقق بأخطائنا.
بالتأكيد جرت محاولات من سياسيين أو مؤرخين فلسطينيين، لكنها كانت محدودة جدا وخجولة ولا ترتقي إلى كونها قراءة نقدية للتاريخ الوطني، كما فعل على الأقل المؤرخون الجدد في إسرائيل، وحتى القيادات التي كانت تقود الشعب الفلسطيني قبل النكبة، وعندما كتبوا مذكراتهم قام اغلبهم بتبرئة الذات وإلقاء اللوم على الآخرين.
وقد يعود سبب هذا الاخفاق الكبير إلى أننا وباستثناء حالات قليلة جدا امتلكنا مؤسسات ديمقراطية تمتلك آليات للنقد الذاتي والتقييم العام. كانت هناك تجربة فريدة لكنها لم تكن مكتملة الشروط، عندما قامت منظمة التحرير الفلسطينية، بتقييم تجربة الثورة في الأردن من العام 1967، وحتى العام 1971، عندما وضع المجلس الوطني الفلسطيني عام 1972 إصبعه على جرح التشرذم والمراهقة السياسية، وقرر ان تنشأ مؤسسات موحدة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.
تقييم السابع من أكتوبر لا يجب عزله عن تقييم تجربة حماس منذ تأسيسها، ونسأل ما هي النتائج التي حققتها بالفعل هذه المقاومة في فلسطين، ولبنان، وسوريا، وبالتحديد بالنسبة لنا منذ تأسيس حركة "حماس" في فلسطين منذ العام 1988؟ والسؤال يأخذ بعدا أدق بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بانقلاب عسكري عام 2007. هذا الانقلاب الذي غير ليس واقع قطاع غزة، وإنما مجمل الوضع الفلسطيني، وأدخل الحالة الفلسطينية في انقسام عميق، بعد أن أصبح للشعب الفلسطيني مركزان للقرار، ونظامان سياسيان مختلفان بالمفهوم والهوية، والممارسة.
نشأ في قطاع غزة نظام سياسي بهوية دينية إسلاموية في مواجهة النظام الوطني الفلسطيني. في غزة نشأ نظام شمولي لم يقم بإجراء أي شكل من أشكال الانتخابات، لا على مستوى البلديات والمجالس المحلية، ولا النقابات المهنية ولا لمجالس الطلبة في الجامعات، في حين كانت مثل هذه الانتخابات تجري بشكل منتظم في المناطق التي يسيطر عليها النظام الوطني الفلسطيني.
وخلال 18 عاما من سيطرة حماس، شهد القطاع سبع حروب حصدت الدمار والموت، واليوم القطاع مدمر بالكامل، واكثر من نصفه يخضع للاحتلال الإسرائيلي المباشر، وحماس أذعنت لاتفاق ينزع منها سلاحها. وفي الاطار الأوسع: ما الذي حققته المقاومة الاسلامية في المنطقة بعد ثلاثة عقود من هيمنتها على المشهد؟ ان ما حققته هو أن إسرائيل توسعت بدل ان تضيق مساحتها وأصبحت يدها هي الطولى في المنطقة، في لبنان وغزة وفي اجزاء واسعة من سوريا، ويدها وصلت اليمن وقطر.
والسؤال: ألا تستحق الكارثة التي حلت بالقطاع وبالقضية الفلسطينية، ان نجري بشأنها تحقيقا وتقييما وطنيا شاملا؟ تقييم وتحقيق ليس هدفه وحسب المحاسبة، وإنما بهدف منع تكرار الأخطاء، التي لا تسهم سوى في تمدد المشروع الصهيوني وليس وقف توسعه.
وما يستحق التنويه ان هناك فارقا بين ما قد يجريه المؤرخ من قراءة نقدية لمرحلة، او مراحل تاريخية، وبين حاجة المؤسسة الوطنية لاجراء تقييم بشكل متواصل لكل ما يجري. كما بالضرورة أن نميز بين أننا الضحية، ونحن بالفعل كذلك، وبين ان نجري تقييما لتجاربنا الوطنية. لطالما أخفينا أخطاءنا خلف مقولة إننا الضحية، لقد حان الوقت لنغير هذا المسار المخجل في تاريخنا.