عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 تشرين الثاني 2025

الدولة الحديثة: من جغرافيا القوة إلى وعي الروح

عميد دكتور/ شادي جبارين

 

الدولة ليست خريطة ولا مؤسّسة فقط، بل هي تجلٍّ للروح وهي تبحث عن ذاتها في التاريخ. إنها لحظة وعيٍ للإنسان بذاته ككائنٍ حر، قرّر أن يُنظّم فوضاه بالعقل لا بالغريزة، وأن يخلق من الاجتماع قانونا ومن العدل فكرةً. فكل دولةٍ هي صورة للإنسان في زمنه، مرآة لما يؤمن به من معنى الوجود، وإلى أي مدى استطاع أن يوازن بين سلطته وضميره.

في الماضي، حين كانت الإمبراطوريات تُقيم حدودها بالسيف، كانت الدولة تُبنى على نزعة التوسع بوصفها ضمانة للبقاء. فكلما اتسعت الأرض، اتسع ظل الحاكم، وكلما خضعت مدينة جديدة، ازداد يقين الفكرة بخلودها. كانت الدولة القديمة ميتافيزيقا في ثوبٍ من الجغرافيا، تبرّر سلطتها بالسماء وتُثبتها بالقوة، وترى في السكون موتا وفي الاختلاف خطرا. كانت الحقيقة واحدة لا تتجزأ، وكان المختلف يُقصى باسم النظام أو الإيمان.

لكن العالم تغيّر حين اكتشف الإنسان أن التوسع ليس قدرا بل قيد، وأن القوة ليست غاية بل وسيلة عمياء ما لم تُوجّه بالعقل. فمع ولادة الدولة الحديثة، بدأ الوعي السياسي ينتقل من منطق الفتح إلى منطق العقد، من فكرة السيطرة إلى فكرة الشراكة. لم تعد الدولة تعيش على الغزو، بل على التوازن، ولم تعد الأرض تُكتسب بالدم بل تُصان بالقانون.

إنها لحظة التحوّل من الجغرافيا إلى الوعي، من الهيمنة إلى فلسفة السيادة التي وضع أساسها العقل الحديث منذ وستفاليا، حين تَجسّد لأول مرة مبدأ احترام الحدود، والاعتراف بالآخر كدولة لا كغنيمة.

في فلسفة هيغل، الدولة ليست كيانا سياسيا فحسب، بل هي الروح وقد خرجت من ذاتها لتدرك نفسها في التاريخ. إنها ذروة الوعي الجمعي، حيث تتصالح الحرية مع النظام، والفرد مع المجموع. الدولة الحديثة هي هذا التوازن المعقّد بين إرادة الفرد وإرادة الكل، بين الحق الشخصي والمصلحة العامة، بين التاريخ كذاكرة والواقع كحضور.

ولهذا، فهي ليست نهاية التاريخ، بل وعيه بذاته، وعي الإنسان بحدوده وقدرته على تحويل الفكرة إلى مؤسسة، والعدالة إلى قانون.

لقد انتهى عصر الدول التي تقوم على التوسع أو الإقصاء، لأن العالم استقر جغرافيا، ولأن الوعي الإنساني لم يعد يقبل منطق الهوية الواحدة التي تبتلع الجميع. الدولة الحديثة تتسع لاختلاف الأعراق والمذاهب والأفكار، وتقوم على مفهوم المواطنة الذي يساوي بين الجميع أمام القانون. إنها نفيٌ فلسفي لجوهر الدولة القديمة، لأنها ترفض تحويل الفكرة إلى صنم، أو العقيدة إلى سلاح سياسي.

ومن هنا، فكل محاولة لإحياء نموذج الدولة القديمة إنما هي نقضٌ لتطور الروح ذاته، محاولة لإيقاف التاريخ عند لحظة ما قبل الوعي.

في بعض الدول التي تأخذ من العقيدة نهجا كتركيا، ماليزيا، أو إندونيسيا، يمكن للمرء أن يرى هذا التحوّل واضحا: فالدين باقٍ في الضمير، لكنه لم يعد مصدرا للشرعية السياسية. والهوية الثقافية حاضرة، لكنها لا تُقصي الآخر المختلف. فالدولة الحديثة تعلم أن التعدد ليس تهديدا للوجود، بل شرط  له، وأن الإيمان لا يُفرض من فوق، بل يُزهر من الداخل كقيمة روحية تغذّي الضمير الجمعي.

وفي فلسطين، هذا الوعي يأخذ بُعده الأكثر نبلاً. ففي الخامس عشر من تشرين الثاني، يوم إعلان الاستقلال، لا نحتفل بنشأة كيانٍ سياسي فحسب، بل بولادة فكرةٍ فلسفية في قلب التاريخ: أن نكون دولةً حديثة وسط عالم قديم في نزاعه، أن نحمل من التاريخ جذوره لا قيوده، وأن نبني وطناً يتسع للجميع مسلمين ومسيحيين، مؤمنين وعلمانيين، من كل الأطياف والجهات. نريد لفلسطين أن تكون تجليا لروح الإنسان الحديثة: دولة القانون لا القبيلة، دولة التعدد لا الإقصاء، دولة العدل لا العصبية.

دولة ترى في المواطنة فعل انتماءٍ لا ورقة هوية، وفي التشارك طريقا للسيادة، وفي العقل امتدادا للحرية.

إننا لا نبحث عن عودةٍ إلى الماضي، بل عن وفاءٍ للمستقبل. ففلسطين التي نريدها ليست صدى لتاريخٍ غابر، بل صوت للحاضر الإنساني وهو يطالب بحقه في العدل والكرامة. هي مشروع روحي وسياسي في آن: تعيد للإنسان مركزه، وللحرية معناها، وللتاريخ اتزانه. دولةٌ لا تُعيد إنتاج المقدس في السياسة، بل تُقدّس العدالة بوصفها أسمى ما أبدعه الوعي الإنساني.

وهكذا، تصبح الدولة الحديثة كما يقول هيغل: اللحظة التي يتصالح فيها العقل مع ذاته في صورة المجتمع المنظم. وفي فلسطين، يمكن لهذه اللحظة أن تكون ميلادا جديدا: ميلاد دولةٍ تُجسّد الوعي الإنساني في أرقى صوره، دولةٌ لا تعيش على أنقاض أحد، بل على فكرةٍ سامية: أن الإنسان، كل إنسان، يستحق وطنا يُنصفه، وعدالةً تحميه، وحلما يُشبهه.

------------

  • المستشار القانوني لهيئة التوجيه السياسي والوطني