إسكندر حبش!
تغريدة الصباح- حسن حميد

ما كان إسكندر حبش (1963-2025) مضطراً للجهر بفلسطينيته لأن سلوكه الكتابي والثقافي والإبداعي دل عليه بأنه من السلالة الفلسطينية، ولأن عطشه المعرفي، لكل أنواع المعرفة دل عليه، فليس أحد من فلسطينيي الإبداع، من اكتفى ببعد إبداعي واحد، فهو من السلالة الأدبية الذهبية التي مثّلها في عصرنا الحديث مبدعو فلسطين: جبرا إبراهيم جبرا، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، وإحسان عباس، وإبراهيم طوقان، وغسان كنفاني، وكمال ناصر، وماجد أبو شرار، ورشاد أبو شاور، ومصطفى الحلاج، ومعين بسيسو، وأحمد دحبور، وأمين شنار، وإسماعيل شموطـ، وحسن البحيري.. هؤلاء الذين ركضوا في دروب الإبداع الكثيرة كيما يقطعوا جسر التعب نحو البلاد الفلسطينية العزيزة.
إسكندر حبش الذي لم يرتو من ماء الحياة، ولم يعرف رغدها كما حلم، ولم يصل إلى ما تمناه، بكى في فترة مرضه الأخيرة، وهو يكتب: (لعلي راحل، ولم أر بيت العائلة، ولم أمسح على الباب المضيء المشع بالنداءات، ولم أفتح النافذة الصغيرة المطلة على الحاكورة، قالت جدتي، إن فيها بئراً روتهم بالماء الزلال، وروت شجرة الرمان الكبيرة، ومساكب النعناع، والبصل، والحبق، ودالية البيت، وقال جدي: إن للبئر دلواً نحاسياً اشتريته بجنيه كامل، وحبلاً ثخيناً ظلّ مبتلاً على الدوام، وإن رمانة البيت أطعمت أهل البيت على مر المواسم، تماما مثل الدالية، وإن شجرة الرمان عرفتهم بأشكال وأنواع من الطيور كانت تأتي إليها لتفيء، وتبني أعشاشها؛ ولم أعرف الدرب الترابي النحيل مثل خيط الإبرة الموصل إلى دكان (أبو الياس) الخرافية، قالت جدتي لي: كانت دكان (أبو الياس) سوقاً لها جدران، وبوابة وسيعة، وكراسي قش صغيرة واطئة، تحيط بها، حين يجلس فوقها الرجال ويتحدثون، تصير مصطبتها برلماناً، ولم أرث الكتاب المقدس الذي كان جدي وجدتي وأمي وأبي يقرؤون فيه، ولم أقرأ تواريخ ولادات ابناء العائلة التي كتبت في الصفحة البيضاء الأخيرة من الكتاب، بقلم رصاص خطه ناعم، ولم أذق عسل الجرار التي غصت جدتي وهي تحدثني عن شقرة عسلها، ولم ألعب على عتبة الدار مع أترابي، وبيدي عروسة زعتر غطتها جدتي في جرة الزيت الأخضر مرتين، يا للزيت الأخضر كم تحدثت جدتي عنه، وعن أشجار الزيتون الخرافية، ومواسم قطاف الزيتون، وطنجرة المجدرة، وأقراص اللفت، التي يلتفون حولها وقت الغداء، وذلك الغناء المتعالي الذي تصعد به الطيور إلى رحابة السماء جذلى، ولم أدخل إلى عريشة الطابون التي غدت غرفة وسيعة ذات نوافذ صغيرة (طلاقيات) كي يفر منها الدخان طريدا من (حماوة) النار، وغضب الحطب، ولم آكل رغيفاً مغمساً بالسمن والسكر، ولم أشم روائح أزهار البرتقال والليمون والكريفون، ويوسف أفندي التي تحدث عنها جدي، قال: روائح البرتقال، وفي أوان الزهر، تعم هواء فلسطين كله، فأنت تشم روائح الزهر كيفما سرت وكيفما جلت، وأنت لا تدري أهي روائح برتقال يافا، أم برتقال غزة، أم برتقال اللد والرملة. كنت أسمع هذا، وأعيه، فأبكي ما فاتني من نعم البلاد، يا لزمن طفولة أبناء البلاد، زمن الحكايات التي روتها جدتي، مثلما رواها جدي، وتذكري لها الآن، فوق فراش المرض).
إسكندر حبش، عاش بيروت كلها، عاش المكان والزمان، وعرف حضارة العمران، والبناء، والكتابة، والإبداع، وعرف حضارة اجتماع الناس والتفافهم حول المعاني الرحيبة، وعرف العناد الوطني الباحث عن الجذور، فالمدن أخلاط وأنساب، ولا بد من النار الصاهرة كي يبقى الذهب ذهباً ليلمع ويبرق، وحين تحسس اسكندر حبش الجذور، ألف الحياة والرواء وعرف معاني الأعماق، فعلت قامته، وناداه قلبه: الإبداع، الإبداع، لذلك كان كل ما فعله من حضور، واشتقاق للدروب والمعاني، وما صنعه من علوات، وما حازه من تأييد وثناء، هو جسر التعب الذي قطعه ميمما بخطاه اللحوحات نحو اللد/الجغرافية، والتاريخ، والأبد، وجاهر بالقول في الصحافة التي كان نجمها الطالع، وفي الشعر الذي كان فيه حاضراً حضور الشموع المتقدة الصاغية للأدعية، وفي الترجمة التي كانت ذراعه الطويلة، وعينه الرائية، ومعرفته الآسرة، والكتب الصادرات تباعاً التي تهفو إليها القراءات العارفة، والرسم وعالم الألوان جاهر..ليؤكد، وهل اللد الكائن الجغرافي والاجتماعي سوى الزمن المرتدي لحلل الألوان، العارفة بأسرار التاريخ والعمران، وعرف أنه في سباق للمسافات الطويلة، وعليه أن يمر بقرى الصبر، وبوابات الزمن، وسجون القهر، والكلام الرجيم، وحرائق الظلم، وأسيجة الشوك التي علتها كواره ثقافة الاخافة اللعينة، كيما تبدو صورته، ويعلو صوته، وكيما يصغي الآخرون إليه، وكان لا بد له من أمرين اثنين هما: العطاء بكل الطاقة المجنونة، ومن ثم صحبة الأمل.
بلى، فأنا ومنذ عرفت إسكندر حبش، كنت أراه على هيئة الفلاح الحارث، والباذر، والزارع، والداعي، والراجي، والحاصد، والراضي من الدنيا بقولة: ربي يعطيك العافية، فلا غرور، ولا نشوة، ولا ذلك التباهي الذي اعتاده الراضون بالعتبات، فهو ما كان يحلم بالحضور الصحفي فقط، ولا كتابة الشعر فقط، ولا الترجمة فقط، ولا الرسم فقط، ولا التدريس في الجامعة فقط.. كان يحلم بأن يواقف ( الكتبية) البادية في جدار بيتهم في اللد، وأن يرتب كتبه الصادرات (بورتريه رجل من معدن، ونصف تفاحة، وتلك المدن، وأشكو الخريف، ولا أمل لي بهذا الصمت، ولاشيء أكثر من هذا الثلج، وحكاية الحكايات، وأجمع الذكريات كي أموت، ولست ذا شأن، وألف منزل للحلم والرعب، ونجهل الوجه الذي سيختتمه الموت، ومورفين، وحرير)، واحداً واحداً مجاورة لكتب الأجداد و الآباء والرفاق، كما تتجاور الأصابع، الأشجار، والبيوت، والأدعية في حضرة أنوار الشموع والقناديل في دور العبادة، ليقول ما أضمره طوال حياته: لقد قرأت وكتبت وعشت لأقطع جسر التعب من اجل العودة إلى البيت، لأنني ومنذ أن كتبت سطري الأول، أحسست ووعيت وأدركت أن الدنيا ، كل الدنيا، تنتظر معي.. عودتي إلى البيت.
ويضيف، الآن، سامحوني، إن غبت عنكم، فأنا أود أن أرفع من فوق عتبات البيت، ومصاطبه فوارغ الرصاص، وما تجشأته المدافع والدبابات، وأن أمحو الأدخنة، وما تركته من سواد كي تبدو حجارة البيت الوردية، وأن أعيد صورة جدي، وهي في إطارها الذهبي الجديد إلى صدر البيت، مجاورة للكتاب المقدس، وأن أفتح النافذة الغربية بطمأنينة وهدوء، وأن أنظف الهواء من البارود، وأن أتفقد الحاكورة، والدلو النحاسي، والحبل الثخين المبتل دائماً، وشجرة الرمان الكبيرة، وأعشاش الطيور فيها، والساقية الجارية نحو مساكب النعناع، والبصل، والحبق، ودالية البيت، وسياج التوت البري، وأن أعد جرار الزيت، والزيتون، والعسل، والسمن.. واحدة واحدة، وأن أعبر إلى دارة الطابون لأرى حجارته المرقوقة رقًّا كالأرغفة، وأن أهم بخطاي سيرا نحو دكان (أبو الياس) لأشتري بهذه القطعة النقدية المثقوبة، اصبع كعيكبان طويلة ملونة.. كمكافأة لركض لهوث امتد على طول النهار!