عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 تشرين الثاني 2025

وثيقة الاستقلال .. البلاغ رقم واحد لدولة فلسطين والسلام

سؤال عالماشي- موفق مطر

 

كان إعلان وثيقة  1988في الخامس عشر من نوفمبر انعكاسا لوعي سياسي وطني ناضج  ونقلة نوعية، حددت خطوطا بين نهاية مرحلة  كفاح مسلح، ومرحلة النهوض بمقومات الكيان السياسي للشعب الفلسطيني، من اجل اثبات جوهر الحقيقة، بأن فلسطين الوطن التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني.. والبدء بتطبيق برنامج النقاط العشر لمنظمة التحرير الفلسطينية 1974 وهدفه  قيام سلطة وطنية فلسطينية على اي بقعة أرض يتم تحريرها، ويحق لنا اعتبار النقلة النوعية عملا فدائيا سياسيا وطنيا وحدويا بامتياز،  اجتازت حركة التحرر الوطنية الفلسطينية حقول ألغام دائرية (اقليمية ودولية ) شارك في زرعها ومحاولات تفجيرها جماعات فلسطينية (لا وطنية ) ارتضت وصم نفسها بعار خدمة مشاريع  الاجندات الخارجية على حساب المشروع الوطني الفلسطيني. 

إعلان الوثيقة  ركز ثقل الصراع والمعركة الى ميدانين، الأول على المستوى  الشعبي مباشرة على أرض فلسطين، ومنح الانتفاضة الأولى فرصة التنامي والتطور والثبات وتأكيد العلاقة ما بين الثورة وحركة التحرر الوطنية وشعبها في الأرض المحتلة ، وفي الميدان  الآخر: القانون الدولي، حيث منظمات الشرعية الدولية، وقوانينها ، ومصدر قراراتها المتعلقة بالحق الفلسطيني ( القضية الفلسطينية ) لتثبيت دولة فلسطين على خارطة العالم، وترسيخ مكانتها القانونية، باعتبارها  نقطة انطلاقنا ومعنا العالم نحو السلام والاستقرار والتنمية والازدهار، خاصة وأننا في مركز منطقة تتوغل فيها الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية، تحولت فيما بعد الى بوتقة ارهاب دولي، ساهمت قوى اقليمية ودولية بتغذيته لتحقيق اهداف قاتلة لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية، والتقدم والتحرر ولقاء الثقافات، حتى أننا لانبرِّئ الاطراف من شراكتها في مؤامرة - غاية في التعقيد-  لإسقاط  وثيقة الاستقلال ومنع تحقيق هدف دولة فلسطينية عبر أخذ الارهاب ذريعة ومستندا، علاوة على تقدير بأن تحقيق هدف قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران لسنة 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ، سيؤدي الى متغيرات في المحيط العربي والإقليم، على رأسها تعطل – إن لم يكن الغاء - التجارة السياسية باسم القضية الفلسطينية نهائيا ..  فوثيقة الاستقلال كانت بمثابة اعلان دستوري يوجه النضال الوطني الفلسطيني نحو افكار وبرامج وخطط  توائم بين البناء والتحرير، على ارضية ثوابت وأهداف واضحة وطبيعة وكينونة الدولة التي يريدها الشعب الفلسطيني بسماتها ومؤسساتها المدنية، محكومة بقانون يكرس العدل والمساواة، والحقوق السياسية والانسانية، دولة مستقلة على حدودها الجغرافية، وتحافظ على قرار الشعب الفلسطيني المستقل ، فوثيقة قيام فلسطين تعني قيامةً وانبعاثا جديدا ليس للشعب الفلسطيني وحسب بل للأمة العربية، ذلك أن استقلال فلسطين سيكون ربيع السلام الدائم للإنسانية.

تكثفت حملات المؤامرة على المشروع الوطني، وفتحت فوهات ألسنة التخوين بلا حدود على قيادة الشعب، واستخدم التضليل وتعمية الأبصار، كما استخدمت المصطلحات الوطنية والدينية وحتى القومية كسهام غدر مسمومة رميت بها القيادة الفلسطينية،  إلا أن الرئيس محمود عباس ابو مازن أعلن التحدي، بثقة عالية، مسنودة على الإخلاص والصدق في العمل، وصلابة الموقف، وحكمة الشجاع وعقلانية القائد، والمصداقية في تطبيق المنهج السياسي الوطني، بقوله :" أتحدى أن نكون قد فرطنا بثابت واحد من الثوابت الوطنية المتفق عليها والمعلنة في وثيقة الاستقلال الصادرة عن المجلس الوطني عام 1988 في دورته  التاسعة عشرة في الجزائر.. أتحدى الجميع بأن يثبت أحد أننا تنازلنا ".

اعترف العالم بدولة فلسطين، وتشكلت في قناعات شعوب ودول كثيرة في العالم الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، بين مشروع فلسطيني وطني حضاري منبثق من عقيدة الانتماء للانسانية وحماية مبدأ السلام، وبين مشروع صهيوني ديني تلمودي احتلالي استعماري عنصري مخالف لقيم الانسانية والقوانين الدولية، علامته المميزة الابادة وجرائم الحرب ودولة متمردة على القوانين والمواثيق والقرارات الدولية.

وثيقة الاستقلال كانت البلاغ رقم واحد لبزوغ فجر دولة فلسطينية، باتت اليوم حقيقة نابتة من عمق أرض الوطن التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني تعترف بها 160 دولة في العالم تقتنع شعوبها وحكوماتها وبرلماناتها أن السلام في مركز العالم لن يتحقق بالقوة، وإنما باعتراف بحق الشعب الفلسطيني للاستقلال بدولة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وأن البلاغ رقم واحد لإعلان إحلال السلام في الأرض المقدسة كما يراها العالم، يبدأ مع جلاء الاحتلال الاسرائيلي ، ليس العسكري والاستيطاني وحسب، بل جلاء منطق وعقلية الحروب والتدمير، والإيمان بمبدأ السلام لدى المجتمع الاسرائيلي الذي يحتاج نقلة نوعية جذرية بهذا الاتجاه.