من حلم الاستقلال إلى شرعية الدولة .. فلسطين بين النص والواقع
اللواء أنور رجب

ليست الدولة الفلسطينية فكرة طارئة على التاريخ ولا حلما سياسيا عابرا، بقدر ما هي ثمرة نضال طويل بدأته منظمة التحرير الفلسطينية منذ أن حملت على عاتقها تمثيل الشعب الفلسطيني أمام العالم. فمنذ إعلان وثيقة الاستقلال عام 1988 في الجزائر، اتخذت فكرة الدولة شكلها القانوني والإنساني معا، بوصفها حقا أصيلا لشعب انتزع وجوده من بين ركام الاحتلال والمنفى. فكانت تلك الوثيقة بيانا إنسانيا قبل أن تكون برنامجا سياسيا، كتبها محمود درويش بروح الشاعر وعقل رجل القانون، فصاغ من الكلمات وطنا، ومن اللغة دولة تعلن حقها بالكرامة والحرية. وحين قرأها ياسر عرفات أمام المجلس الوطني، بدا وكأنه يقرأ للعالم شهادة ميلاد فلسطين الجديدة، الدولة التي أراد لها الفلسطينيون أن تكون امتدادا للثورة لا بديلا عنها.
تلك اللحظة لم تكن احتفالا رمزيا، بل تأسيس لشرعية ما زالت تصنع حضورها حتى اليوم، فوثيقة الاستقلال لم تكن ورقة سياسية بقدر ما كانت إعلان إرادة، جمعت بين وجدان الإنسان وصرامة القانون، لتجعل من الحرية لغة دولية تقرأها الأمم كما يقرأ الفلسطينيون تاريخهم. ومنذ ذلك الحين أصبحت الوثيقة هي المرجع الذي يستند إليه كل اعتراف دولي لاحق، فتحول الحلم إلى صيغة قانونية قابلة للحياة، وربطت بين النشيد الوطني والميثاق الدولي، في مزج نادر بين الشعر والسياسة.
اليوم، وبعد مرور عقود على إعلانها، تبقى هذه الشرعية هي الركيزة التي تمنح القضية الفلسطينية قدرتها على الصمود السياسي والقانوني. فوجود منظمة التحرير الفلسطينية ليس رمزا تاريخيا بل ضرورة واقعية، لأنها الإطار الوحيد الذي يجمع الفلسطينيين في كل أماكنهم تحت راية واحدة، ولأن أي مشروع يتجاوزها أو يسعى لتقويضها هو بالضرورة مشروع لتفكيك فكرة الدولة ذاتها، وما محاولة بناء كيانات موازية تحت مسميات مختلفة لا تعني سوى تمزيق الهوية الوطنية وتحويل القضية إلى ملفات متفرقة يمكن احتواؤها أو تجاوزها بسهولة.
الامر الذي ينعكس بالضرورة على السلطة الوطنية الفلسطينية التي بدورها ليست سلطة مؤقتة كما يحاول البعض أن يصورها، بل هي التجسيد العملي لفكرة الدولة على الأرض، والضمانة الأساسية لبقاء المشروع الوطني في سياقه السياسي الموحد. فوجودها في غزة كما في الضفة هو ما يمنح الجغرافيا معناها، لأن الأرض من دون وحدة سياسية تتحول إلى رقع جغرافية بلا روح ولا سيادة. وكل محاولة لإقامة سلطة أمر واقع منفصلة في غزة أو غيرها هي في جوهرها استمرار للانقلاب على الشرعية، وانقلاب على الحلم الفلسطيني ذاته.
الدولة الفلسطينية ليست وهما في الخطاب، بل واقع يتشكل كلما تمسكت القيادة الفلسطينية بمبادئ الشرعية الدولية وبحق تقرير المصير. الاعترافات المتزايدة من دول العالم ليست منحة مجانية، بل نتيجة لعمل سياسي ودبلوماسي متراكم قادته منظمة التحرير والسلطة الوطنية، وأكدت أن هذا الشعب يستحق دولته المستقلة على ترابه الوطني. فالشرعية هنا ليست مجرد عنوان قانوني، بل ميثاق وطني يحمي الهوية من التبديد ويصون المشروع من العبث، فالانحياز لفكرة الدولة الفلسطينية ليس خيارا سياسيا بل واجب وطني، لأن من دون دولة موحدة تستند إلى شرعية منظمة التحرير وسلطة واحدة على الأرض لن يكون هناك استقلال حقيقي ولا كرامة جماعية. ففلسطين التي صاغ درويش وثيقتها بلغة الشهداء والأنبياء، وقرأها عرفات بلغة القائد الذي يؤمن بشعبه، لا تزال تنتظر اكتمال صورتها، دولة حرة على كامل ترابها، تنهي الاحتلال وتعيد للإنسان الفلسطيني حقه في الحياة، وفي أن يكتب اسمه من جديد تحت علم واحد لا يتجزأ.
وفي هذا المسار الطويل نحو تثبيت الدولة الفلسطينية في الوعي الدولي، يبرز الدور الدبلوماسي لفخامة الرئيس محمود عباس بوصفه الامتداد العملي لروح وثيقة الاستقلال. فمنذ توليه قيادة منظمة التحرير والسلطة الوطنية، عمل السيد الرئيس أبو مازن بعناد الهادئ وبصبر القائد على نقل القضية الفلسطينية من دائرة الشعارات إلى ميدان الفعل الدبلوماسي المؤثر، فقاد معارك الاعتراف الدولي بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة، وواصل توسيع شبكة الاعترافات الثنائية والمتعددة، ما جعل اسم فلسطين حاضرا على طاولة الأمم كما هو حاضر في ذاكرة شعبها. وبحنكته السياسية استطاع أن يوظف الشرعية الدولية باعتبارها سلاحا حضاريا، فأعاد للقضية مركزيتها القانونية والأخلاقية، وأثبت أن القيادة التي تؤمن بالدبلوماسية يمكنها أن تنتزع للفلسطيني حقه ووجوده في المحافل العالمية. هكذا، يتحول النشاط الدبلوماسي للرئيس عباس إلى رافعة أساسية في بناء الدولة المنشودة، دولة تصنع في الميدان كما تصنع في الساحات الدولية، وتفرض حضورها بإرادة شعبها وبحكمة قيادتها.